للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

منه وأخبث. وقد قال الشاعر للأسديّ الذي ليم بأكل لحم الكلب [١] : [من الرجز]

يا فقعسيّ لم أكلته لمه ... لو خافك الله عليه حرّمه

فما أكلت لحمه ولا دمه

وليس يريد بقوله: «لو خافك الله عليه» أنّ الله يخافه على شيء أو يخافه من شيء. ولكنّه لمّا كان الكلب عنده مما لا يأكله أحد ولا يخاف على أكله إلّا المضطرّ، جعل بدل قوله: أمن الكلب على أكل لحمه، أنّ الله هو الذي لم يخف ذلك فيحرّمه. وهذا ممّا لا تقف الأعراب عليه، ولا تتّبع الوهم مواضعه؛ لأنّ هذا باب يدخل في باب الدّين، فيما يعرف بالنّظر.

٩٧٧-[أكل لحوم بعض الحيوانات]

وقد يأكل أجراء الكلاب ناس، ويستطيبونها فيما يزعمون. ويقولون: إنّ جرو الكلب أسمن شيء صغيرا، فإذا شبّ استحال لحمه، كأنّه يشبّه بفرخ الحمام مادام فرخا وناهضا، إلى أن يستحكم ويشتدّ.

وما أكثر من يأكل السّنانير. والذين يأكلونها صنفان من الناس: أحدهما الفتى المغرور، الذي يقال له أنت مسحور، ويقال له: من أكل سنّورا أسود بهيما لم يعمل فيه السحر، فيأكله لذلك. فإذا أكله لهذه العلّة، وقد غسل ذلك وعصره، أذهب الماء زهومته، ولم يكن ذلك المخدوع بمستقذر ما استطابه. ولعلّه أيضا أن يكون عليه ضرب من الطّعام فوق الذي هو فيه، فإذا أكله على هذا الشّرط، ودبّر هذا التدبير، ولم ينكره، عاوده. فإذا عاوده صار ذلك ضراوة له.

والصّنف الآخر أصحاب الحمام؛ فما أكثر ما ينصبون المصائد للسّنانير، التي يلقّون منها في حمامهم. وربّما صادف غيظ أحدهم وحنقه وغضبه عليه، أن يكون السّنّور مفرط السّمن، فيدع قتله ويذبحه. فإذا فعل ذلك مرّة أو مرتين، صار ضراوة عليها. وقد يتقزّز الرّجل من أكل الضّبّ والورل والأرنب، فما هو إلّا أن يأكله مرّة لبعض التّجربة، أو لبعض الحاجة، حتى صار ذلك سببا إلى أكلها، حتى يصير بهم الحال إلى أن يصيروا أرغب فيها من أهلها.

وها هنا قوم لا يأكلون الجراد الأعرابيّ السمين، ونحن لا نعرف طعاما أطيب منه. والأعراب إنّما يأكلون الحيّات على شبيه بهذا الترتيب ولهذه العوارض.


[١] الرجز في اللسان (روح، لوم) ، والبخلاء ٢٣٤، والمخصص ٣/٤، والمقاصد النحوية ٤/٥٥٥.

<<  <  ج: ص:  >  >>