للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ولأن الضياء قرص قائم، وشعاع ساطع فاصل، وليس للظلام قرص. ولو كان في هذا العالم شيء يقال له ظلام، لما قام إلا في قرص، فكيف تكون الأرض قرصة، والأرض غبراء، ولا ينبغي أن يكون شعاع الشيء أسبغ منه [١] .

قال: والأول لا يشبه القول في اليبس والبلة، والقول في الحر والبرد، والقول في اليبس والرطوبة. والقول في الخشونة واللين، لأن التراب لو كان كله يابسا، وكان اليبس في جميع أجزائه شائعا، لم يكن بعضه أحق بالتقطيع والتبرد والتهافت، من الجزء الذي نجده متمسكا [٢] .

قال خصمه: ولو كان أيضا التهافت الذي نجده فيه إنما هو لعدم البلة، وكله قد عدم البلّة، لكان ينبغي للكل أن يكون متهافتا، ولا نجد منه جزأين متلازقين.

فإن زعمتم أنه إنما اختلف في التهافت على قدر اختلاف اليبس، فينبغي لكم أن تجعلوا اليبس طبقات، كما يجعل ذلك للخضرة والصّفرة.

وقال إبراهيم: أرأيت لو اشتمل اليبس الذي هو غاية التّراب كله كما عرض لنصفه، أما كان واجبا أن يكون الافتراق داخلا على الجميع؟ وفي ذلك القول بالجزء الذي لا يتجزأ.

وأبو إسحاق، وإن كان اعترض على هؤلاء في باب القول في اليبس، فإنّ المسألة عليه في ذلك أشد.

وكان أبو إسحاق يقول: من الدليل على أن الضياء أخفّ من الحرّ أنّ النار تكون منها على قاب غلوة [٣] فيأتيك ضوؤها ولا يأتيك حرها. ولو أن شمعة في بيت غير ذي سقف، لارتفع الضوء في الهواء حتى لا تجد منه على الأرض إلا الشيء الضعيف، وكان الحرّ على شبيه بحاله الأول.

١٢٧٩-[رد النظام على الديصانية]

وقال أبو إسحاق: زعمت الديصانية [٤] أن أصل العالم إنما هو من ضياء وظلام،


[١] أسبغ منه: أكبر منه.
[٢] متمسكا: عنى به: الحجر ونحوه.
[٣] الغلوة: مقدار رمية السهم.
[٤] الديصانية: فرقة من المجوس، وهم أصحاب ديصان، الذي كان قبل ماني. والمذهبان متقاربان، ويختلفان في اختلاط النور والظلمة. انظر فهرست ابن النديم ٤٧٤، والملل والنحل ٢/٨٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>