للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والزّنابير لا تكاد تدمي إذا لسعت بأذنابها. والذّبّان تغمس خراطيمها في جوف لحوم الدوابّ، وتخرق الجلود الغلاظ حتى تنزف الدّم نزفا. ولها مع شدّة الوقع سموم. وكذلك البعوضة ذات سمّ، ولو زيد في بدن البعوضة وزيد في حرقة لسعها إلى أن يصير بدنها كبدن الجرّارة [١]- فإنها أصغر العقارب- لما قام له شيء، ولكان أعظم بليّة من الجرّارة النصيبية [٢] أضعافا كثيرة. وربّما رأيت الحمار وكأنّه ممغّر أو معصفر. وإنّهم مع ذلك ليجلّلون حمرهم ويبرقعونها، وما يدعون موضعا إلّا ستروه بجهدهم، فربّما رأيت الحمير وعليها الرّجال فيما بين عبدسي [٣] والمذار [٤] بأيديهم المناخس والمذابّ، وقد ضربت بأنفسها الأرض واستسلمت للموت. وربّما رأيت صاحب الحمير إذا كان أجيرا يضربها بالعصا بكلّ جهده، فلا تنبعث.

وليس لجلد البقرة والحمار والبعير عنده خطر. ولقد رأيت ذبابا سقط على سالفة [٥] حمار كان تحتي، فضرب بأذنيه، وحرّك رأسه بكلّ جهده، وأنا أتأمّله وما يقلع عنه، فعمدت بالسّوط لأنحّيه به فنزا عنه، ورأيت مع نزوه عنه الدّم وقد انفجر؛ كأنّه كان يشرب الدّم وقد سدّ المخرج بفيه، فلمّا نحّاه طلع.

٨٠٢-[ونيم الذّباب]

وتزعم العامّة أنّ الذّبّان يخرأ على ما شاء قالوا: لأنّا نراه يخرأ على الشيء الأسود أبيض، وعلى الأبيض أسود.


[١] الجرارة، كجبانة: عقيرب تجر ذنبها «القاموس: جرر» .
[٢] الجرارة النصيبية: نسبة إلى نصيبين، وهي مدينة عامرة من بلاد الجزيرة على جادة القوافل من الموصل إلى الشام وسبب كثرة عقاربها أن أنو شروان الملك حاصرها وما قدر أن يفتحها، فأمر أن تجمع إليه العقارب. فحملوا العقارب من قرية تعرف بطيرانشاه من عمل شهرزور، فرماهم بها في العرادات والقوارير. وكان يملأ القارورة من العقارب ويضعها في العرادة؛ وهي على هيئة المنجنيق، فتقع القارورة وتنكسر وتخرج تلك العقارب، حتى ضجّ أهلها وفتحوا له البلد، وأخذها عنوة، وذلك أصل عقارب نصيبين. معجم البلدان ٥/٢٨٨.
[٣] عبدسي: اسم مصنعة كانت برستاق كسكر، خربها العرب، وبقي اسمها على ما كان حولها من العمارة. معجم البلدان ٤/٧٧.
[٤] المذار: مدينة بين واسط والبصرة، فتحها عتبة بن غزوان أيام عمر بن الخطاب. معجم البلدان ٤/٨٨.
[٥] السالفة: ما تقدم من العنق «القاموس: سلف» .

<<  <  ج: ص:  >  >>