للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

التبعيد والتقريب، ومن طريق الظّنون والتجريب، أو من طريق أن يقع ذلك اتفاقا، كما صنع النّاطف [١] الساقط من يد الأجير في مذاب الصّفر [٢] حتى أعطاه ذلك اللّون، وجلب ذلك النّفع، ثم إنّ الرّجال دبرته وزادت ونقصت، حتى صار شبها ذهبيّا. هذا مع النّوشاذر المولّد من الحجارة السّود.

فلو قلتم: إنّ ذلك قائم الجواز في العقل مطّرد في الرّأي، غير مستحيل في النّظر. ولكنّا وجدنا العالم بما فيه من النّاس منذ كانا فإنّ النّاس يلتمسون هذا وينتصبون له، ويكلفون به. فلو كان هذا الأمر يجيء من وجه الجمع والتوليد والتركيب والتجريب، أو من وجه الاتفاق، لقد كان ينبغي أن يكون ذلك قد ظهر من ألوف سنين وألوف؛ إذ كان هذا المقدار أقلّ ما تؤرّخ به الأمم، ولكان هذا مقبولا غير مردود. وعلى أنّه لم يتبيّن لنا منه أنّه يستحيل أن يكون الذّهب إلّا من حيث وجد. وليس قرب كون الشيء في الوهم بموجب لكونه، ولا بعده في الوهم بموجب لامتناعه.

ولو أنّ قائلا قال: إنّ هذا الأمر إذ قد يحتاج إلى أن تتهيّأ له طباع الأرض، وطباع الماء، وطباع الهواء، وطباع النار، ومقادير حركات الفلك، ومقدار من طول الزمان.

فمتى لم تجتمع هذه الخصال وتكمل هذه الأمور لم يتمّ خلق الذّهب. وكذلك قد يستقيم أن يكون قد تهيأ لواحد أن يجمع بين مائتي شكل من الجواهر، فمزجها على مقادير، وطبخها على مقادير، وأغبّها مقدارا من الزمان، وقابلت مقدارا من حركات الأجرام السماويّة، وصادفت العالم بما فيه على هيئة، وكان بعض ما جرى على يده اتفاقا وبعضه قصدا، فلما اجتمعت جاء منها ذهب فوقع ذلك في خمسة آلاف سنة مرّة، ثمّ أراد صاحبه المعاودة فلم يقدر على أمثال مقادير طبائع تلك الجواهر، ولم يضبط مقادير ما كان قصد إليه في تلك المرّة، وأخطأ ما كان وقع له اتّفاقا، ولم يقابل من الفلك مثل تلك الحركات، ولا من العالم مثل تلك الهيئة، فلم يعد له ذلك.

فإن قال لنا هذا القول قائل وقال: بيّنوا لي موضع إحالته، ولا تحتجّوا بتباعد اجتماع الأمور به، فإنّا نقر لكم بتباعدها. هل كان عندنا في ذلك قول مقنع، والدّليل الذي تثلج به الصّدور؟! وهل عندنا في استطاعة النّاس أن يولّدوا مثل ذلك، إلّا بأن


[١] الناطف: ضرب من الحلوى، ويسمى القبّيط، لأنه يتنطّف قبل استضرابه، أي يقطر قبل خثورته.
«اللسان: نطف» .
[٢] الصفر: النحاس أو الذهب. «القاموس: صفر» .

<<  <  ج: ص:  >  >>