للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الملابسة لأجزاء النار. ولقوة حركة النار وطلبها التّلاد [١] العلويّ، كان ذلك. فمتى وجد من لا علم له في أسفل القمقم كالجبس [٢] ، أو وجد الباقي من الماء مالحا عند تصعّد لطائفه، على مثال ما يعتري ماء البحر- ظنّ أن النار التي أعطته اليبس.

وإن زعموا أن النار هي الميبّسة- على معنى ما قد فسرنا- فقد أصابوا. فإن ذهبوا إلى غير المجاز أخطؤوا.

وكذلك الحرارة، إذا مكنت في الأجساد بعثت الرطوبات ولابستها، فمتى قويت على الخروج أخرجتها منه، فعند خروج الرطوبات توجد الأبدان يابسة، ليس أن الحرّ يجوز أن يكون له عمل إلا التسخين والصعود؛ والتقلب إلى الصعود من الصعود، كما أن الاعتزال من شكل الزوال [٣] .

وكذلك الماء الذي يفيض إلى البحر من جميع ظهور الأرضين وبطونها، إذا صار إلى تلك الحفرة العظيمة. فالماء غسّال مصّاص، والأرض تقذف إليه ما فيها من الملوحة.

وحرارة الشمس والذي يخرج إليه [٤] من الأرض، من أجزاء النيران المخالطة يرفعان لطائف الماء بارتفاعهما، وتبخيرهما. فإذا رفعا اللطائف، فصار منهما مطر وما يشبه المطر، وكان ذلك دأبهما، عاد ذلك الماء ملحا لأن الأرض إذا كانت تعطيه الملوحة، والنيران تخرج منه العذوبة واللطافة- كان واجبا أن يعود إلى الملوحة.

ولذلك يكون ماء البحر أبدا على كيل واحد، ووزن واحد؛ لأن الحرارت تطلب القرار وتجري في أعماق الأرض، وترفع اللطائف [٥] ؛ فيصير مطرا، وبردا، وثلجا، وطلّا [٦] . ثم تعود تلك الأمواه سيولا تطلب الحدور [٧] ، وتطلب القرار، وتجري في أعماق الأرض، حتى تصير إلى ذلك الهواء. فليس يضيع من ذلك الماء شيء، ولا يبطل منه شيء. والأعيان قائمة. فكأنه منجنون [٨] غرف من بحر، وصبّ في جدول يفيض إلى ذلك النهر.


[١] التّلاد: أراد: الموطن الأول، وانظر الفقرة (١٢٦٩) ، ص ٧، س ١٩.
[٢] الجبس: الذي يبنى به.
[٣] إيضاحا لهذه العبارة؛ انظر ص ١٨.
[٤] أي إلى البحر.
[٥] اللطائف: أراد بها: الأبخرة الدقيقة.
[٦] البرد: حب الغمام. الطل: المطر الضعيف.
[٧] الحدور: مكان الانحدار.
[٨] المنجنون: دولاب يستقى عليه. وهو على شكل الناعورة.

<<  <  ج: ص:  >  >>