للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ولا يحسب الأغنياء أنهم قد سلموا من الامتحان والاختبار، كيف ذلك؟ والله يقول:

وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [الأنبياء: ٣٥] ، ومن أعظم الخير وفرة المال، الذي يسعد صاحبه، في الدنيا والآخرة، فالغنيّ مبتلى في هذا المال، أيخرج زكاته أم يبخل بها؟ ألم يعلم أن هذا القدر المفروض في ماله ليس من حقه، بل هو حق للفقير، قدّره الله وشرعه، كيف يستحل العبد مالا ليس له، ويعيب على السارق الذي يسرق البيضة، ألم يعلم أن الله هو الذي استقرضه هذا المال؟ ويقع أولا في يديه الكريمتين قبل أن يقع في يد الفقير؟ ألم يعلم أن الله تعطيه بكل جزء سبعمائة جزء ويضاعف بعد ذلك لمن يشاء؟ ألم يعلم أن الذي أعطاه قادر على أن يسلبه ما أعطاه؟ ألم يعلم الغني ماذا فعل الله بقارون، الذي أوتي من المال، ما إنّ مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة، أين هو الآن؟ خسفت به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة، لم يكن مطلوبا منه إلا أن يشكر مسدي النعمة ويخرج زكاتها، هل تراه الآن يصبر على ما هو فيه من العذاب، مسليا ومصبرا نفسه بتنعمه في الدنيا؟ كلا والله، نسي ما كان من نعمة، مع أول غمسة في العذاب، والغنيّ لم يبتل فقط بإخراج الزكاة، بل ابتلي بأكثر من ذلك، ابتلي بمرض الكبر والعجب، وتعلّق أنظار الفقراء به، لحاجتهم له، وترفّع نظره عنهم لغناه بما عنده، ابتلاه الله بالخادم في المنزل، والسائق في السيارة، والفقير عند باب المسجد، والمسكين على قارعة الطريق، هل عطف عليهم؟ هل تواضع لهم؟ هل اهتم بهمومهم، هل قضى لهم حوائجهم، كل ذلك فتنة؟ يسأل عنها الغنيّ يوم القيام لذلك فالفقير والغني في الابتلاء سواء.

وأعود فأقول: مازالت الأمة فيها الفقير والغني، والرسول قد أوصى معاذا عندما ذهب إلى اليمن فقال له في حديث البخاري: «فأخبرهم أنّ الله قد فرض عليهم صدقة، تؤخذ من أغنيائهم فتردّ على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإيّاك وكرائم أموالهم، واتّق دعوة المظلوم، فإنّه ليس بينه وبين الله حجاب» «١» .

أي لا يأخذ من أموالهم إلا حق الفقير وهو الزكاة، فالإسلام لا يعرف الشيوعية ولا الاشتراكية ولا التأميم ولا مصادرة الأموال، بل إن تعظيم الشرع لحرمة المال قد وصل إلى أن قرن الله- سبحانه وتعالى- بين القتل وأكل أموال الناس بالباطل، كأنهما في الإثم سواء، ومعلوم من الدين حرمة القتل وشناعة عقوبته. قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا


(١) جزء من حديث أخرجه البخاري، كتاب: الزكاة، باب: أخذ الصدقة من الأغنياء وترد في الفقراء، برقم (١٤٩٦) من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه.

<<  <  ج: ص:  >  >>