للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وعاد التحريم إلى أصله) «١» . انتهى.

وكلام القرطبي يؤكد ما ذكرته من أن الأصل في دخول بيوت النبي صلى الله عليه وسلّم هو التحريم، وهذا مقتضى كلام الشيخ السعدي- رحمه الله- حيث قال في تفسيره للآية الكريمة: (لا تدخلوا بيوت النبي صلى الله عليه وسلّم إلا بشرطين: الإذن لكم بالدخول، وأن يكون دخولكم بمقدار الحاجة وذلك قبل الطعام وبعده) . ومما يؤكد أن الأصل في الدخول هو التحريم ما قاله الإمام القرطبي ونصه: (يقول الله لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم: يا أيها الذين امنوا بالله ورسوله لا تدخلوا بيوت النبي صلى الله عليه وسلّم إلا أن تدعوا إلى طعام تتناولونه فيها) «٢» .

مما ذكر يتضح بجلاء عظيم شأن بيوت النبي صلى الله عليه وسلّم وما ضمنه الله- تبارك وتعالى- في كتابه العزيز من حفظ تلك البيوت وإلزام المؤمنين توقيرها وعدم التعدي عليها وعلى أهلها بما يؤذيهم أو يهتك سترهم أو يشق عليهم، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار ما ورد في نفس الآية من الآداب الواجب اتباعها عند سؤال أزواج النبي صلى الله عليه وسلّم متاعا، وهو ما سأورده- إن شاء الله- في باب (تعظيم زوجاته صلى الله عليه وسلّم) .

[ثالثا: بعض فوائد الآية الكريمة:]

[الفائدة الأولى:]

جود النبي صلى الله عليه وسلّم مع أضيافه وإيثارهم على نفسه وأهل بيته، فمع أن البيوت كان لا يوقد فيها نار لشهرين بثلاثة أهلة، إلا أنه صلى الله عليه وسلّم كان يتكلف الطبخ لأضيافه إن استطاع، لقوله- تعالى-: غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ، ويترتب عليه استحباب إكرام الضيف بطبخ ما يقدر عليه أهل البيت.

[الفائدة الثانية:]

وجوب إجابة الدعوة إلى الطعام، لقوله- تعالى-: وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا يصدّق ذلك: أنّ ابن عمر رضي الله عنه كان يقول عن النّبيّ صلى الله عليه وسلّم: «إذا دعا أحدكم أخاه فليجب؛ عرسا كان أو نحوه» «٣» .

[الفائدة الثالثة:]

من الآداب الإسلامية الرفيعة في الزيارة عدم المشقة على أهل البيت المضيف، فلا يشرع الاسترسال في الحديث بعد الطعام، إلا إذا علم أن صاحب البيت يحب ذلك، ولكن يجب التنبيه في وقتنا الحاضر، أن صاحب البيت يمكن أن يستأنس بحديث أصحابه مع وجود بالغ المشقة على أهله، فيجب على الزائر مراعاة ذلك.


(١) انظر «الجامع لأحكام القران» (١٤/ ٢٢٦) .
(٢) انظر «تيسير الكريم الرحمن» (٦٧٠) .
(٣) مسلم، كتاب: النكاح، باب: الأمر بإجابة الداعي إلى دعوة، برقم (١٤٢٩) .

<<  <  ج: ص:  >  >>