للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[ثالثا: تفضيل مدينته ومسجده على سائر البقاع سوى (مكة)]

أ- تفضيل مدينته صلى الله عليه وسلم:

لا شك أن من أعظم دلائل إكرام الله- سبحانه وتعالى- لنبيه صلى الله عليه وسلم أن أوجب لمدينته غاية التعظيم، وعدد مظاهر هذا التعظيم ونوّعه ليدلل على منتهى تكريم صاحبها صلى الله عليه وسلم.

ومن أوجه ذلك أن جعلها الله حرما وبارك في صاعها ومدّها ولعن من آذى محدثا أو أحدث فيها ورغب في شد الرحال إلى مسجدها، وجعل فيه من دون مساجد الأرض روضة من رياض الجنة وتوعد من أراد بأهلها سوآ، فماذا بقي لهذه البلدة المباركة من أمر لم يعظّم شرعا أو لم يبارك فيه، وما كان ذلك إلا لوفور بركة من أقام ومات فيها صلى الله عليه وسلم ورفيع منزلته عند الله- تبارك وتعالى- كما سنرى إن شاء الله..

١- مدينته حرم وثبوت اللعنة على من أحدث فيها حدثا:

عن عليّ رضي الله عنه قال: ما عندنا شيء إلّا كتاب الله وهذه الصّحيفة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «المدينة حرم ما بين عائر إلى كذا، من أحدث فيها حدثا، أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل» . [رواه البخاري] «١» .

وقد بدأت بتحريم الله لها لأنه أبلغ مظاهر الاعتناء بها فهي حرم، مثل مكة المكرمة، تأخذ نفس أحكامها فلا يختلى خلاها ولا ينفر صيدها ولا تلتقط لقطتها ولا يحمل السلاح فيها لقتال، قال صاحب تحفة الأحوذي ما نصه: (وفيه دليل على أن المدينة حرم كحرم مكة، وفي هذا أحاديث كثيرة مروية في الصحيحين وغيرهما قال الشوكاني: استدلّ بما في هذه الأحاديث- من تحريم شجر المدينة وخبطه وعضده وتحريم صيدها وتنفيره- الشافعيّ ومالك وأحمد والهادي وجمهور أهل العلم على أن للمدينة حرما كحرم مكة محرم صيده وشجره، قال الشافعي ومالك: فإن قتل صيدا أو قطع شجرا فلا ضمان؛ لأنه ليس بمحل للنسك فأشبه الحمى، وقال ابن أبي ذئب وابن أبي ليلى: يجب فيه الجزاء كحرم مكة، وبه قال بعض المالكية، وهو ظاهر قوله: كما حرّم إبراهيم مكة) «٢» . انتهى.


(١) البخاري، كتاب: الحج، باب: حرم المدينة، برقم (١٨٧٠) .
(٢) تحفة الأحوذي (٦/ ٢٧٠) .

<<  <  ج: ص:  >  >>