للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وما أجمل ما أراد أن يبينه البخاري رحمه الله- إمام أهل السنة- في الترجمة، فقد وضع للأمة قاعدة عظيمة مفادها: أن الحاكم إذا اجتهد- أي بذل غاية جهده في المسألة، وجاء حكمه بخلاف سنة النبي صلى الله عليه وسلّم وكانت تلك المخالفة نتيجة عدم العلم بحكم النبي صلى الله عليه وسلّم فحكمه مردود غير معتبر شرعا، فما بالنا لو جاء حكم القاضي أو الحاكم مخالفا سنة النبي صلى الله عليه وسلّم دون أن يبذل جهده في إصابة السنة، أو حكم بخلافها متعمدا، فهل ينفذ حكمه؟ قطعا لا. وإذا كان حكم القاضي أو الحاكم أو من ينيبه مردودا إذا خالف سنة النبي صلى الله عليه وسلّم فمن باب أولى حكم من دونهم في المرتبة.

بعض فوائد الحديث: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد» :

[الفائدة الأولى:]

عدم مشروعية الزيادة في الدين، وأن زيادة مردودة على صاحبها، بل يأثم على هذه الزيادة، سواء هو الذي أحدثها أو باشرها، لما ثبت عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم إذا خطب احمرّت عيناه وعلا صوته واشتدّ غضبه، حتّى كأنّه منذر جيش يقول: «صبّحكم ومسّاكم» ، ويقول: «بعثت أنا والسّاعة كهاتين» ويقرن بين إصبعيه السّبّابة والوسطى، ويقول: «أمّا بعد فإنّ خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى، هدى محمّد، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ بدعة ضلالة» «١» .

قال الحافظ ابن حجر- رحمه الله-: (والمحدثات: جمع محدثة والمراد بها ما أحدث، وليس له أصل في الشرع، ويسمى في عرف الشرع (بدعة) وما كان له أصل يدل عليه الشرع فليس ببدعة) «٢» . وقال- رحمه الله-: وثبت عن ابن مسعود قوله: «قد أصبحتم على الفطرة وإنكم ستحدثون ويحدث لكم؛ فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالهدي الأول» «٣» .

[الفائدة الثانية:]

كما لهذا الدين وغناه عن كل ما سواه، وأن من ابتدع فيه فقد شكك في هذا الكمال، والدليل ذم الزيادة والإحداث فيه، ولولا الكمال بل والجمال ما كان لذم الإحداث وجه، فإن كل أمر ناقص يحتاج إلى الزيادة.

ويتفرع عليه: صلاح هذا الدين ومناسبته لكل فرد من أفراد الأمة على اختلاف


(١) مسلم، كتاب: الجمعة، باب: تخفيف الصلاة والخطبة، برقم (٨٧٦) .
(٢) انظر «فتح الباري» (١٣/ ٢٥٣) .
(٣) انظر «فتح الباري» (١٣/ ٢٥٣) .

<<  <  ج: ص:  >  >>