للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الوحي، فقد روى مسلم عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: (ثلاث من تكلّم بواحدة منهنّ فقد أعظم على الله الفرية «١» ، وفيه: من زعم أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كتم شيئا من كتاب الله فقد أعظم على الله الفرية، والله يقول: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ، وفيه: لو كان محمّد صلى الله عليه وسلم كاتما شيئا ممّا أنزل عليه لكتم هذه الآية وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ «٢» . وإن لم يكن صلى الله عليه وسلم يعلم أنه خير، فقد اتهمتموه بجهل ما يحبه الله ويرضاه، وحاشاه ذلك، والمتبعون لسنته ينزهون النبي صلى الله عليه وسلم عن كل ما ذكر.

وإن ادعيتم: أن هذا يقربكم إلى الله زلفى.

قلت لكم: كيف تدعون أن شيئا ليس في الكتاب والسنة يقرب إلى الله ويرضى به، وقد أحكم الله أمر الدين، وأكمل الشرع، وامتن على عباده المؤمنين بذلك فقال: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً [المائدة: ٣] .

فأمركم لا يخرج عن قولين: إما أن تقولوا: إن الذى تفعلونه دينا، فبذلك تكونون قد كذبتم القرآن، لقوله- سبحانه وتعالى.: أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ.

وإما أن تقولوا: إن هذا ليس بدين.

فأقول لكم: أتستهزئون بالله عزّ وجلّ! تعبدونه بما لم يشرعه لكم.

أما قولكم: إننا نشعر بلذة وقرب، لا نعهده فيما سوى ذلك من أذكار.

فأقول لكم: إنكم أثبتم لأنفسكم مقامات وأحوالا، لم تثبت في السنة لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم أفضل من سجد وركع لله عزّ وجلّ، كما أن هذه المقامات والأحوال من تلبيس وتزيين الشيطان، قال- تعالى-: أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً [فاطر: ٨] ، وقال تعالى-: فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [النحل: ٦٣] . وقطعنا أن ذلك التزيين من الشيطان، لأننا أثبتنا أن الله لا يرضى بذلك الفعل، ولا يثيب عليه، وإن لم يكن هذا من البدع ومن المحدثات في الدين، فما البدعة التي حذرنا نبينا صلى الله عليه وسلم منها؟!.

وأي فائدة من هذه المقامات والأحوال إن كنا لن نثاب عليها؟!، وهذا التفصيل ينسحب على كل بدعة، فعلى المسلم أن يسأل عن كل أمر، قبل أن يأتيه، إن كان من السنة أو ليس


(١) الفرية: الكذب.
(٢) مسلم، كتاب: الإيمان، باب: معنى قول الله عز وجل: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى [النجم: ١٣] ، برقم (١٧٧) .

<<  <  ج: ص:  >  >>