للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقال القرطبي: (قوله تعالى: مِنْ أَنْفُسِكُمْ يقتضي مدحا لنسب النبي صلّى الله عليه وسلّم وأنه من صحيح العرب وخالصها) «١» .

٢- شفقة النبي صلّى الله عليه وسلّم البالغة بأمته حيث أوضحت الآية أنه يشق عليه كل ما فيه مشقة على أمته أو يسبب لها الحرج وهو العنت، وهذا يدل أيضا على عظيم حبه لأمته صلّى الله عليه وسلّم.

ومن مظاهر حرصه على عدم إعنات الأمة أنه صلّى الله عليه وسلّم راجع ربه لتخفيف عدد الصلوات المكتوبة، حتى أصبحت خمس صلوات من أصل خمسين صلاة في اليوم والليلة.

ويؤخذ من الآية أنه ليس في الدين كله أي أمر فيه مشقة أو عنت على المسلمين، لأن الله ما كان ليشرع لهذه الأمة ما يشق عليها، وهو يعلم أن هذا يشق على نبيه وخليله، ولو حدث أن شرع لهذه الأمة ما فيه مشقة عليها لطلب النبي صلّى الله عليه وسلّم التخفيف من ربه كما حدث في أمر الصلاة.

٣- حرص النبي صلّى الله عليه وسلّم إلى إيصال كل أنواع الخير إلى أمته، ودفع كل أنواع الشر عنهم، في معاشهم ومعادهم، لأن هذا هو دأب الحريص على غيره، وقيل: إن معنى حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ أي حريص على دخولكم الجنة ونجاتكم من النار.

ويتفرع عليه كمال دعوة النبي صلّى الله عليه وسلّم لأمته، لأن الله- عز وجل- لم يكن ليزكيه على حرصه على أمته دون أن يقوم النبي صلّى الله عليه وسلّم بدعوتهم على أكمل وجه. ومن زعم أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قد أخفى علينا شيئا من الوحي أو أن خيرا لم يدلنا عليه، أو أن شرّا لم ينهنا عنه، فقد كذّب بظاهر القرآن.

٤- وهي أعظم ما في الآية، وهو الثناء على الرسول صلّى الله عليه وسلّم، حيث إن الله قد أثنى عليه باسمين من أسمائه الحسنى، وهما الرؤف والرحيم، ولو لم يكن في القرآن ثناء على النبي صلّى الله عليه وسلّم إلا هذا الثناء لكفى، نقل القرطبي في تفسيره عن الحسين بن الفضيل قوله: (لم يجمع الله لأحد من الأنبياء اسمين من أسمائه إلا للنبي محمد صلّى الله عليه وسلّم، فإنه قال: بالمؤمنين رؤف رحيم، وقال تعالى: إن الله بالناس لرؤف رحيم) «٢» .

وقال الشيخ السعدي رحمه الله في تفسيره: (أي شديد الرأفة والرحمة بهم، أرحم بهم من والديهم ولهذا كان حقّه مقدما على سائر حقوق الخلق وواجب على الأمة الإيمان به وتعظيمه وتعزيره وتوقيره) . انتهى.


(١) الجامع لأحكام القرآن (٨/ ٣٠١) .
(٢) الجامع لأحكام القرآن (٨/ ٣٠٢) .

<<  <  ج: ص:  >  >>