للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ظَاهِرٌ، وَيُبْطِلُهُ قَوْلُ اللَّهِ - تَعَالَى -: {إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: ٢٩] فَلَمْ يَتَرَاضَ الْبَائِعُ إلَّا مَعَ هَذَا الْمُبْتَاعِ لَا مَعَ غَيْرِهِ، فَالْحُكْمُ بِهِ لِغَيْرِهِ أَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ بِلَا دَلِيلٍ أَصْلًا - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ.

بَلْ قَدْ جَاءَ عَنْ عُمَرَ الْحُكْمُ عَلَى أَهْلِ السُّوقِ بِهَذَا فِي غَيْرِهِمْ لَا لَهُمْ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: قَدِمَ الْمَدِينَةَ طَعَامٌ فَخَرَجَ أَهْلُ السُّوقِ إلَيْهِ فَابْتَاعُوهُ، فَقَالَ لَهُمْ عُمَرُ: أَفِي سُوقِنَا هَذَا تَتَّجِرُونَ؟ أَشْرِكُوا النَّاسَ، أَوْ اُخْرُجُوا فَاشْتَرُوا ثُمَّ ائْتُوا فَبِيعُوا.

قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا الَّذِي حَكَمَ بِهِ الْمَالِكِيُّونَ أَعْظَمُ الضَّرَرِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الصِّنَاعَةِ مِنْ السُّوقِ يَتَوَاطَئُونَ عَلَى إمَاتَةِ السِّلْعَةِ الَّتِي يَبِيعُهَا الْجَالِبُ أَوْ الْمُضْطَرُّ، وَيَتَّفِقُونَ عَلَى أَنْ لَا يَزِيدُوا فِيهَا، وَيَتْرُكُوا وَاحِدًا مِنْهُمْ يَسُومُهُ حَتَّى يَتْرُكَ الْمُضْطَرُّ عَلَى حُكْمِهِ، ثُمَّ يَقْتَسِمُونَهَا بَيْنَهُمْ، وَهَذَا وَاجِبٌ مَنْعُهُمْ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ غِشٌّ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ غَشَّنَا» .

[مَسْأَلَة الْبَيْع بالبرائة مِنْ كُلّ عَيْب]

١٥٥٧ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَجُوزُ الْبَيْعُ بِالْبَرَاءَةِ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ، وَلَا عَلَى أَنْ لَا يُقَوَّمَ عَلَيَّ بِعَيْبٍ - وَالْبَيْعُ هَكَذَا فَاسِدٌ مَفْسُوخٌ أَبَدًا، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى جَوَازِ الْبَيْعِ بِالْبَرَاءَةِ، وَلَمْ يَرَ لِلْمُشْتَرِي الْقِيَامَ بِعَيْبٍ أَصْلًا - عَلِمَهُ الْبَائِعُ أَوْ لَمْ يَعْلَمْهُ.

وَذَهَبَ سُفْيَانُ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ: إلَى أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مِنْ الْعُيُوبِ - عَلِمَهُ الْبَائِعُ أَوْ لَمْ يَعْلَمْهُ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ بِذَلِكَ مِنْ شَيْءٍ مِنْ الْعُيُوبِ إلَّا فِي الْحَيَوَانِ خَاصَّةً فَإِنَّهُ يَبْرَأُ بِهِ مِمَّا لَمْ يَعْلَمْ مِنْ عُيُوبِ الْحَيَوَانِ الْمَبِيعِ، وَلَا يَبْرَأُ مِمَّا عَلِمَهُ مِنْ عُيُوبِهِ فَكَتَمَهُ.

وَلِمَالِكٍ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ -: أَحَدُهَا - وَهُوَ الَّذِي ذَكَرْنَا أَنَّهُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَهُمْ، وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ حَرْفًا حَرْفًا؛ وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْمُوَطَّأِ.

وَالثَّانِي - أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ بِذَلِكَ إلَّا فِي الرَّقِيقِ خَاصَّةً، فَيَبْرَأُ مِمَّا لَمْ يَعْلَمْ، وَلَا يَبْرَأُ مِمَّا عَلِمَ فَكَتَمَ، وَإِنَّمَا فِي سَائِرِ الْحَيَوَانِ وَغَيْرِ الْحَيَوَانِ، فَلَا يَبْرَأُ بِهِ مِنْ عَيْبٍ أَصْلًا.

<<  <  ج: ص:  >  >>