للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لأبيض الشّعر؛ أعطيناه دراهم تفنى، وثيابا تبلى، ورواحل تنضى، وأعطانا ثناء يبقى، وحديثا يثنى، ومكارم لا تبلى. فلهذه الخصال تكاملت خصال المجد فيهم، فظهر عنوان كرم الخير عليهم، فصاروا في زمانهم منارا، ولمن بعدهم أعلاما. وليس تتمّ معاني كرم المنعم، ومعاني وفاء الشاكر، حتّى تتوافى أقوالهما، وتتّفق أهواؤهما على تدافع الحجة، والإقرار بالمعجزة، فيزداد بذلك المنعم فضلا والشّاكر نبلا.

هذا جملة القول في خصلتين من الأربع التي قدّمنا ذكرها، وشهرنا أمرها.

والخصلة الثالثة: الدّيانة بالشّكر

، والإخلاص للمنعم في تصفية الودّ، فإن الدّين قائد المروءة، كما أن المروءة خطام «١» الحميّة. وهذه الخصال وإن تشعّبت في بعض الوجوه، وافترقت في بعض الأماكن، فإنها ترجع إلى نصاب يجمعها، وإلى إناء يحفظها، منه نجمت، وعنه انبثّت، وإليه رجعت. ولاجتماع هذه الخصال على مخالفة الهوى، ومجانبة الهوينى، وعلى اتّهام دواعي الشّهوة، والامتناع من كلب الطّبيعة- وفّق الأوّلون بينها في جملة الاسم، وقارنوا بينها في جمهرة الحكم. ولذلك قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: اعتبر عزمه بحميّته، وحزمه بمتاع بيته.

ومدار جميع الأحوال المحمودة على الصّبر، ولن يتكلّف مرارة الصّبر من يجهل عاقبة الصّبر. وقالوا: لمّا صار ثقل الشّكر لا يحتمل إلا بالصّبر، صار الشّكر من نتاج الصّبر. وكما أنه لا بدّ للحلم- مع كرم الحلم- من الصّبر، فكذلك لا بدّ للشّكر- مع كرم الشّكر- من الصّبر. فالصّبر يجري مع جميع الأفعال المحمودة، كما يجري الهوى مع جميع الأفعال المذمومة.

ولذلك قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «خلق الله عزّ وجلّ النّار وحفّها بالشّهوات، وخلق الجنّة وحفّها بالمكاره» .

<<  <  ج: ص:  >  >>