للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

نَبِيًّا} (١) فوصفَ الوعدَ بالصِّدق والكذب.

تحقيق:

واعلم أنّ النَّاس في هذا الباب طوائف:

الأُولى: الوَعِيدِيَّةُ، فإنّها تعلّقت بظواهرِ الآياتِ والآثارِ، وهذا هو الّذي دَعَا سالِفَةَ علمائنا المتكلِّمين -رحمة الله عليهم- إلى إنكارِ العموم، وقد بيَّنَّا القول بصِحَّته، وأنّه لا يُحتاجُ إليه معهم؛ فإنّ الحقَّ ظاهرٌ والأدلّة بيَّنَةَ، وحَمَل التّقصيرُ كثيرًا من علمائنا على أنّ يقولوا: إنَّ الله لا يُنفِذُ وَعِيدَه، فإنّ ترْكَ إنقاذِ الوعيدِ من مكارمِ الأخلاقِ. وقد بيّنّا أنّ ذلك يُتَصَوَّرُ في المخلوقِ الّذي يجوزُ له الكَذِبُ بعُذْرٍ، ويُتَصَوَّرُ منه على الإطلاق، فأمّا الصَّادِقُ الوّاجِبُ الصِّدقِ، فلا يجوزُ أنّ يقع مُخبَرُهُ بخلافِ خَبَرِه، ويتعالى الله عن الأخلاق الذَّميمةِ، وإنّما له الصِّفاتُ العَلِيَّةُ؛ ولكن وإن جاءلت الأخبارُ بإطلاقِ القول في الوَعيد، فقد جاءت أُخَرُ بإطلاقِ القولِ في الوَعْدِ، كقول النّبيّ -عليه السّلام-: "مَنْ كان آخرُ كَلَامهِ لا إلَهَ إِلا الله، حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النارِ" وبهذا تعلَّقت المُرْجئةُ. وكقوله: "إِنَّ بَغِيًّا من بَغَايَا بَنِي إِسرائِيلَ مَرَّت بِكَلبٍ يَأكُلُ الثَّرَى من شِدَّةِ العَطَشِ، فَنَزَعَت مُوقَهَا (٢) فَسَقَتْهُ من رَكيَّةٍ (٣)، فَغفَرَ اللهُ لَها".

وهاهنا (٤) نكتةٌ، وهي: أنّ البارىءَ تعالى رحيمٌ شديدُ العقابِ، فلا بدّ أنّ يأخُذ كلُّ حُكمٍ من أحكامِ الصِّفتين جُزءًا من الخَلقِ تتحقَّقُ فيه الصِّفَةُ، وكذلك هو غفورٌ منتقِمٌ (٥)، وتحقيقُ ذلك هو الشّفاعةُ. فمَنْ نظرَ إلى صفةٍ من صفاتِ البارىءِ وآمنَ بها، وتركَ البَوَاقِي، لا يكون مؤمنًا باللهِ، وكذلك من نَظَرَ إلى أخبارِ الوَعْدِ دون الوَعِيدِ، أو


(١) مريم:٥٤، وانظر التحقيق التالي في القبس: ٣/ ٨٩٨.
(٢) أي خُفّها.
(٣) أي من بئر.
(٤) من هنا إلى قوله: "وانشدني بعض الأصحاب" ورد بالقبس: ٣/ ٨٩٨ - ٨٩٩.
(٥) تتمّة الكلام كما هو في القبس: "فلا بدّ أنّ يكون للمغفرة جزء معلوم من الخلق وللانتقام جزء معلوم ... ".

<<  <  ج: ص:  >  >>