للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ولمّا كان من صفاته السَّخَطُ، أَخَذَت هذه الصّفةُ جُزءًا من الخَلْقِ، فوجَبَ لهم العذابُ، واستَحَقَّت عليهم النِّقْمَةُ، إلى آخِرِ تحقيقِ هذا الفصلِ في الكتابِ المذكورِ (١). فلمّا خَلَقَ الملائكةَ يفعَلُون ما يُؤمَرُونَ، وُيسبِّحونَ اللّيلَ والنّهارَ ولا يَقتُرون، لم يكن بُدٌّ -لِمَا تقدَّمَ بيانُه- له من أَن يَخلُقَ مَنْ تجري عليه هذه الأحكامُ وهو الآدميُّ، تجري عليه المقاديرُ من خيرٍ وشرٍّ، وتَتفُذُ فيه هذه المقاديرُ من نفعٍ وضُرٍّ، والحمدُ لله الّذي بَصَّرَنا حِكمَتَهُ وأحكامَه، وإيَّاهُ نسألُ نُورًا يتيسَّرُ به العملُ.

فاتحة (٢):

ولعظيم حُرْمَةِ الدِّماءِ، حذَّرَ النَّبيّ -عليه السّلام- اُمَّتَه عنها، فقال في الحديث الصّحيح: "لَا يَزالُ الرَّجُلُ في فُسحَةٍ مِن دِينِهِ ما لَمْ يَسْفِك دَمًا حَرامًا" (٣). فالفُسْحَةُ في الدِّين: سَعَةُ الأعمالِ الصَّالحةِ، حتّى إذا جاءَ القتلُ ضاقَت؛ لأنّها لا تَبقَى به (٤).

ورُوِيَ في رواية أخرى (٥): "في فُسحَةٍ من ذَنبِهِ" والفُسْحَةُ في الذَّنب: قَبُولُه للمغفرةِ (٦)، وإنَّ قَتلَ البهائِم بغير حقٍّ ليوجِبُ ذنبًا عظيمًا، فكيفَ قتلُ الآدَمِيِّ الّذي لو وُزِنَ بالدّنيا بأَسْرِها (٤) لرَجَحَها (٧)؟.


(١) يقصد كتاب الأمد الأقصى في شرح أسماء الله الحسنى وصفاته العُلى، انظر لوحة: ٧٤/ ب - ٧٨/ ب.
(٢) نقل العثماني هذه الفاتحة في الممهّد: الورقة ٤٣٨ - ٤٣٩.
(٣) أخرجه البخاريّ (٦٨٦٢) من حديث ابن عمر، بلفظ: "ما لم يُصِبْ".
(٤) أي بوزره، كما في فتح الباري: ١٢/ ١٨٨.
(٥) هي رواية الكشميهني كلما نصّ على ذلك ابن حجر في فتح الباري: ١٢/ ١٨٨.
(٦) نقل ابن حجر في الفتح: ١٢/ ١٨٨ عن ابن العربي تفسيره للفُسْحة في الدّين، وكذلك الفسحة من الذنب، ولا ندري من أي كتاب نقل، ففي نقله زيادة هي: " ... قبوله الغفران بالتّوبة حتّى إذا جاء القتل ارتفع القبول" وعقب ابن حجر على كلام ابن العربي بقوله:، "وحاصلُه أنّه فسَّرَهُ على رأي ابن عمر في عدم قَبُولِ توبة القاتل".
(٧) نقل ابن حجر في الفتح: ١٢/ ١٨٩ عن ابن العربي قوله: "ثبت النّهيُ عن قتل البهيمة بغير حقٍّ =

<<  <  ج: ص:  >  >>