للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الله - صلّى الله عليه وسلم - قال: "والّذى نَفْسِي بِيَدِهِ، لَخَلُوفِ فَمِ الصائم أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ، إنَّمَا يَذَرُ شَهوَته وطعامه وشَرَابه مِن أَجْلِي، فالصِّيَامُ لِي وَأَنَا أَجْزي به ... " الحديث إلى آخره.

الإسناد:

قال الإمام: هذا حديثٌ صحيحٌ متَّفَقٌ عليه خَرَّجَهُ مسلم (١) وغيره (٢).

وفيه فوائد:

الفائدةُ الأولى:

قولُه: "لَخَلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أطيبُ عنْدَ اللهِ مِن رِيحِ المِسْكِ ... " الحديث، أي تَغَيُّر فمِ الصّائم في آخر النّهار، وأكثر ذلك في شدَّة الحَرِّ، وهو من رائحة المَعِدَةِ ولا يذهب بالسِّوَاكِ؛ لأنّه من رائحة النّفس الخارِجِ من المَعِدَةِ وإنّما يذهبُ بالسِّواكِ ما كان في الأسنان.

وقال البرقي: هو تغيّر طعم فيه، وهذا ليس على أصلِ مالك، وإنّما هو جار على مذهب الشّافعيّ، ولذلك منع الصائم السِّواك بعد نصف النهار؛ لأنّه وقت وجود الخَلُوفِ فيه عِندَهُ، وأباحه مالك؛ لأنّ الخَلُوفَ لا يزولُ بالسِّواكِ؛ لأنَّ أصله من المَعِدَة، ولو زال بالسِّواكِ قَبلَ الزَوَالِ لمنع وجوده فيه بعد الزَّوال إنّ كان مختصًّا بالفَمِ، وقد سمعتُ جماعة من الخُطَبَاء -أعني خطباء الأندلس- يدخلون قول الشّافعيّ في خُطَبِهِم، وذلك لأحد وجهين.

إمّا لِقِلَّةِ معرفتهم بالمَذْهَبِ.

وإمَّا لما وَجَدُوا ذلك ثابتًا في خُطَبِهِم -أعني خُطَب ابن نباتة- الواردة من قِبَلِ المشرق، وخطبهم مبنيّةٌ على مذهب الشَّافعىّ، وهذه المسألة قَوِيَّةٌ لمَالِك فلزم التّنبيه عليها لِئَلّا يترك الأخذ بها من لا يعرف وجهها.

توحيد:

قوله: "أَطيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ" يريد أَزْكَى عند الله وأَقْرَب إليه مِنْ ريح


(١) في صحيحه (١١٥١).
(٢) كالإمام أحمد: ٢/ ٥١٦، والبخاريّ (١٨٩٤) وغيرهما. الشرح السابق مقتبس من الاستذكار: ١٠/ ٢٤٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>