للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فالأول يجزيه حتّى يُجرح بأمرٍ بيِّنٍ.

روى ابنُ حبيب عن مالك ومُطَرِّف وابن المَاجِشُون: ليس عليه ائتنافه، إِلَّا أنّ يغمز فيه، أو يرتاب منه، ولا يزيدُهُ طولُ ذلك إِلَّا خيرًا (١).

فإذا انتهى الكلامُ إلى هذا المقام، وتَحصَّلَ (٢) ضبط الشّهادة، فلها حالان:

الحالة الأُولى: حالةُ التّحملِ.

والثّانية: حالةُ أداءٍ.

١ - واختلفَ العلّماءُ في التَّحَمُّل هل هو فرضٌ أو ندبٌ؟ مبنيًّا على قوله تعالى: {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} (٣) وقد بيَّنَّا فيما تقدَّم (٤) أنّها فرضٌ على الكِفَايَة، ولذلك يجبُ على الإمام أنّ ينصِبَ لَها عُدُولًا يرزُقهُم من بيت المال، ويتفرَّغونَ لإحياءِ حقوقِ الله، ويتوجَّهُ إليهم الخطابُ حينئذٍ بالفريضة بإجماعٍ.

٢ - والحالةُ الثّانيةُ: حالةُ الأداءِ، وهي فرضٌ إجماعًا إذا وَقَعَت على عدلين، فإن زادُوا، أُلحقَت بفروضِ الكِفايَةِ، هذا إذا عَلِمَ بها صاحبُها، فإن لم يعلَم وعَلِمَ الشاهدُ أنّه يحتاجُ المتحاكمُ إلى أدائها، فإنّه عليه فرضٌ أنّ يفعلَهُ ويُعلِمهُ بها ههنا، لحديث زيد بن خالد الّذي رواهُ مالك (٥)؛ أنّ رسولَ الله - صلّى الله عليه وسلم - قال: "خَيرُ الشُّهداءِ الذِي يَأتِي بِشهَادَتِهِ قَبل أنّ يُسألهَا " فإن كان الحقُّ لله، تَعَينَ عَلَى الشّاهد فرضًا أنّ يقوم بها عند الحاكِمِ، إِلَّا أنّ يكونَ من الحدودِ، والأفضل له أنّ يستر على المُتَهَتِّكِ كما تقدَّمَ البيان قبلُ.


(١) ووجه هذا القول: أنّ الحكم الأوّل بتعديله باقٍ لا ينقضه التّجريح والارتياب، فلا يلزم تجدبد حكم آخر فيه.
(٢) من هنا إلى آخر الفصل ورد في القبس: ٣/ ٨٨٧ - ٨٨٨.
(٣) البقرة ٢٨٢.
(٤) في القبس: "وقد بيَّنَّا في كتابُ الأحكام" قلنا: وهو في الأحكام: ١/ ٢٥٦ - ٢٥٧.
(٥) في الموطَّأ (٢١٠٥) رواية يحيى.

<<  <  ج: ص:  >  >>