للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

عيبِها، فدعا له رسولُ الله - صلّى الله عليه وسلم - بالَفَرَجِ والفَتحِ (١). فهذا وجهُ كلامِ سعدٍ، والله أعلم.

الأصول (٢):

فأمّا قول النّبيِّ - صلّى الله عليه وسلم - مع سعدٍ، فإنّه بيانٌ لشرعٍ وإيضاحٌ لحُكمٍ؛ وذلك أنّ كلام سَعدٍ الّذي جاءت فيه "نعم" جوابٌ محذوفٌ تقديرُه: أُمهِلْهُ حتّى آتِيَ بأربعةِ شهداءَ؟ أو أقتلُه فأُقتَلُ؟ فكانت نازلةً تقابَلَ فيها حُكْمان:

أحدُهما: أنّ يُمهِلَ الرَّجُلُ من ضَرَّه في أهله.

أو يدفَعَ الضَّرَرَ بتَلَف نفسِهِ بأحد وجهين:

١ - إمّا أنّ يقتُلَه المُضَارُّ.

٢ - وإما أنّ يَقتُلَ هُوَ المُضارُّ فيُقتَلَ بِهِ.

فعلَّمَهُ النبيُّ - صلّى الله عليه وسلم - التّرجيحَ، وقال له: إنَّ الأَرفَقَ بك والأَولَى أنّ تحتَمِلَ في الأهل الأَذَى، ولا يُؤَثِّرَ الفَرجَ على النّفسِ فإنّها فوقهُ. فاختارَ سعدٌ تقديمَ الفَرْجِ على النَّفسِ، فقال النّبيُّ -صلّى الله عليه وسلم- متعجِّبًا: "انظُرُوا إِلى ما يَقُولُ سَيِّدُكُم" معناه: إنّه لعظيمِ الغَيرَة واختارَ احتمالَ الأشدِّ من الأَذَى، وليس ذلك بممتَنِعٍ إذا كَثُرتِ الغَيرَةُ، وغَيرَةُ اللهِ كَفُّهُ للخَلقِ بقُدرَتِه لِمَن عَصَمَ من الفواحشِ خُصوصًا، وبأمره ونهيه لكافّة الخَلْقِ عمومًا، فعبَّرَ عن الشَّيءِ بمقدِّمته، ووصَفَ بذلك نفسَهُ تشريفًا للصِّفة وتعظيمًا للحالِ.

إيضاحُ مُشكِلٍ مُعْضِلٍ:

قول سَعْد بن عُبَادَة للنَّبىِّ - صلّى الله عليه وسلم -: "أُمهِلهُ حَتَّى آتِيَ بِأَربَعَةِ شُهَداءَ؟ قال: نَعَم".

قال الإمام: هذا كلامٌ يُوهِمُ بظاهره تركَ الزّاني مع الزّنا وتمكينَه منه، وذلك لا يليقُ بذوي المُرُوءَات، ولا يجوزُ على الأنبياء صلوات الله عليهم التقريرُ على المعاصي، وهذا


(١) أخرجه مسلم (١٤٩٥) من حديث عبد الله بن مسعود.
(٢) انظر كلامه في الأصول في القبس: ٣/ ٩١١ - ٩١٢.

<<  <  ج: ص:  >  >>