للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والأنبياء (١) والطاعات، وأن خروجه منها لم يكن طَرْدًا كما كان خروج إبليس، وإنّما كان خروجه منها مسافرًا لقضاء أوطارٍ ويعود إلى تلك الدّار.

وقوله: "وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ" وذلك أعظم لفضله، لما يظهر الله فيه من رَحْمَتِه، وينجز من وَعْدِه.

المسألة الخامسة:

قوله (٢): "وَمَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَ وَهِيَ مُصِيخَةٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ حِينَ تُصْبِحُ حتَّى تَطْلُعُ الشَّمسُ شَفَقًامنَ السَّاعَةِ، إلَّا الجِنَّ والإنْسَ".

فإن قيل: لأي شيء لا تصيخُ الجنّ والإنس؟

قلنا (٣)؛ لأنّهم مُكَلَّفون، فلذلك لم يعلمهم اللهُ بذلك قَطْعًا، كقوله: "إنَّ الكافِرَ لَيُضْرَبُ بِمِطْرَقةٍ يَسْمَعُ صِيَاحَهُ كلّ شيءٍ إلَّا الثَّقلاَنِ" (٤) وإنّما لم يسمع ذلك الجنّ والإنس؛ لأنّ الله لم يُرِد للأنبياء، ولأنّهم لو سمعوه لازدجروا، وإنّما يدعهم ليطيع مَنْ يطيع ويعصي مَنْ يعصي.

نكتةٌ أصولية:

قال الإمام: وقد احتج الأستاذ أبو إسحاق الاسفراييني بهذا الحديث (٥) في أنّ البهائم تعقل وتعرف الله سبحانه، واستدلَّ أيضًا على قوله حكايته عن الهُدْهُد في قوله لسليمان (٦)، الآية كلّها فيها استدلال على الصَّانع وعلى حَدَثِ العالَمِ.

فإن قيل: هذه معجزة لسليمان، فلا دليل فيها.

قلنا: إنّما المعجزةُ في قصَّةِ سليمان؛ أنّ الله فَهَّمَهُ منطِقَ الطَّير لا غير، ولو كان أكثر من ذلك، لكان خبر الله بخلافِ مُخْبره، وفَهْمُ الطَّيرِ للقُدْرَةِ إنّما هو شيءٌ بلا آخَرَ.


(١) في النسخ: "والأشياء" والمثبت من العارضة.
(٢) أي قوله في حديث الموطَّأ (٢٩١) رواية يحيى.
(٣) غ، جـ: "الجواب عنه قلنا".
(٤) أخرجه بنحوه البخاريّ (١٣٣٨) من حديث أنس.
(٥) جـ: "الخبر".
(٦) يقصد الآيات ٢٠ - ٣١ من سورة النمل.

<<  <  ج: ص:  >  >>