للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[عدم الاقتداء بإبراهيم في استغفاره لأبيه المشرك]

قال الله: {حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ} [الممتحنة:٤] ، أي: لا تتأسوا بإبراهيم في قوله لأبيه: {لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ} [الممتحنة:٤] ، هذه الجزئية لا تتأسوا بإبراهيم عليه الصلاة والسلام فيها، وفيه دليل على أن الرجل الصالح إذا فعل فعلة ليست وفق الكتاب والسنة لا يتبع فيها ولا يتأسى به فيها أياً كان شأنه، فهذا خير البرية كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه دعاه رجل فقال: يا خير البرية! فقال: ذاك إبراهيم صلى الله عليه وسلم) ، فمع إن إبراهيم خير البرية، لكن لما استغفر لأبيه -والاستغفار لأبيه خطأ إذ هو استغفار للمشرك- عن موعدة وعدها إياه، أمرنا ربنا ألا نتأسى بإبراهيم عليه الصلاة والسلام في هذه الفعلة.

إذاً: إذا جاء شيخ وفعل فعلة مخالفة للكتاب والسنة فمن باب أولى ألا يتبع أبداً، والكتاب والسنة هما الحكم على كل شخص، وليس الشخص هو الحكم على كتاب الله وعلى سنة رسول الله، أصحاب نبينا محمد عليهم رضوان الله فعلوا واجتهدوا، فعلوا جملة أفعال واجتهدوا جملة من الاجتهادات، ولكن صدرت من بعضهم فتاوى جانبت الصواب، فلا يتبع أحدهم على هذه الفتيا.

فمثلاً: صدر عن ابن عمر القول بإباحة إتيان المرأة في دبرها! وهذا خطأ، ولا يتبع عليه ابن عمر رضي الله عنهما، وسائر أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام خالفوه في ذلك، وجماهير أهل العلم على خلافه في هذه المسألة؛ لأن حديث: (لعن الله من أتى امرأة في دبرها) بمجموع طرقه يصح، والحرث ما هو إلا موطن الزرع، فلا يتبع في مثل هذه الزلة مع فضله وورعه وعلمه وكثرة اتباعه للسنة، لكن هذا لا يمنع أن تزل قدمه في بعض المسائل.

وابن عباس ورد عنه الأمر بجواز نكاح المتعة، وخالفه في ذلك سائر الصحابة حتى قال له علي: (إنك رجل تائه) ، فلا يتبع في هذه الحيثية.

وأبو طلحة كان يرى أن البرد لا يفطر الصائم أي: الثلج النازل من السماء، لكن لا يتبع على هذه الفتيا، كان يقول: إنه ليس بطعام ولا بشراب، وهكذا كل من فعل فعلة وإن كان صالحاً من أفضل الصلحاء، لكن فعلته تخالف هدياً عاماً في الكتاب أو في السنة لا يتبع في هذه الجزئية، وليس هذا بخادش في عموم فتياه، فكفى بالمرء نبلاً أن تعد معايبه.

فربنا سبحانه وتعالى نهانا أن نتأسى ونقتدي بإبراهيم عليه الصلاة والسلام في قوله لأبيه: {لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ} [الممتحنة:٤] ، فمن مات أبوه على الشرك لا يحل له أن يستغفر لأبيه المشرك، والدليل على ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (استأذنت ربي أن أزور قبر أمي فأذن لي، فاستأذنته أن أستغفر لها فلم يأذن لي، فبكى وأبكى من حوله) عليه الصلاة والسلام، ودليل آخر: قول الله سبحانه: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [التوبة:١١٣] .

وإذا احتج أحد باستغفار إبراهيم لأبيه حين قال: {لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ} [الممتحنة:٤] ، وقال: {وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ} [الشعراء:٨٦] ، فيرد عليه بقوله: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} [التوبة:١١٤] .

فليس في الدين مجاملات حتى مع أقرب الأقربين، حتى مع الآباء والأبناء، نوح لما سأل ربه: {إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ} [هود:٤٥] عوتب أشد عتاب بقوله تعالى: {يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [هود:٤٦] فتاب نوح وأقلع: {رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [هود:٤٧] ، فمع أقرب الأقربين لا مجاملة في أصل المعتقد بحال من الأحوال.

قال الله سبحانه: {إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا} [الممتحنة:٤] ، هذا القول: {رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا} [الممتحنة:٤] قول من؟ من أهل العلم من يقول: إنه قول إبراهيم والذين معه.

ومنهم من يقول: إنه أمر للمؤمنين، أي: فقولوا: أيها المؤمنون! {رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا} [الممتحنة:٤] ، أي: اعتمدنا في أمورنا عليك، {وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا} [الممتحنة:٤] ، أي: رجعنا، {وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [الممتحنة:٤] ، أي: يوم القيامة.