للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[موقف الزوج من إفشاء الزوجة لأسراره]

قال الله تعالى: {وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا} [التحريم:٣] أي: قال قولاً في السر لبعض أزواجه، فيجوز للرجل الذي عنده أكثر من امرأة أن يسر إلى بعض الأزواج بحديث ولا يسر بهذا الحديث للأخرى؛ فالنسوة يختلفن في الأمانات والضبط، وقد يستفاد الحديث منه عند امرأة ولا يستفاد منه عند الأخرى، فيجوز أن يؤثر الرجل بعض أزواجه بالسر دون البعض، وليس في هذا ظلم ولا إجحاف.

وما هو هذا الحديث؟ فيه أقوال للعلماء: أحدهما: أنه قول الرسول في شأن مارية: (والله لا أقربها ولا أعود) .

والثاني: في شأن العسل: (والله لن أشرب العسل ولن أعود) .

والثالث: أن الله سبحانه لم يبين ذلك، وأنه حديث الله أعلم به.

(وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ) : نأخذ من هذه الآية فقهاً للتعامل مع النساء، ولتتعز نساؤنا في هذه الآية، فنساؤنا لسن بخير من نساء رسول الله، والرسول صلى الله عليه وسلم يستكتم امرأته على سر، وهي من أمهات المؤمنين، اللائي يفترض فيهن أنهن أعقل النساء، وهن طيبات بلا شك، قانتات بلا شك، صالحات بلا شك، ومع ذلك لم يكن الذي أسر إليهن برجل عادي، بل الذي أسر إليهن هو رسول الله عليه الصلاة والسلام.

فمع أنه أسر إليها بالحديث وقال: لا تخبري بذلك أحداً من الناس، خرجت وأفشت سر رسول الله عليه الصلاة والسلام، فإذا كان هذا قد صدر منهن، فنساؤنا من باب أولى أن يصدر منهن ذلك، فإذا كان النبي لم يثرب عليهن هذا التثريب الشديد، فنحن كذلك لا نثرب عليهن التثريب الشديد، فإذا كان الأمر سري جداً فلا تخبرها به من الأصل، خاصة إذا كنت تخشى من إفشائه، فادخره لنفسك، أما إذا لم تستطع أن تدخر السر لنفسك وأفشيته للزوجة فهي أضعف منك وناقصة عقل ودين فستفشيه هي الأخرى.

فالشاهد: أن الرسول صلى الله عليه وسلم يعلمنا كيفية التصرف مع النساء في هذا الباب.

قال تعالى: {فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ} [التحريم:٣] ، أي: أخبرت به، {وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ} [التحريم:٣] ، أي: أطلعه الله عليه، {عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ} [التحريم:٣] ، أي: لم يعاتبها في الحديث كله، إنما عاتبها في بعض الحديث، ولم يسرد لها الأخطاء كلها، وإنما سرد لها ما يشعرها أنها أخرجت هذا الحديث وأفشته.

فيأخذ منه العلماء أيضاً فقهاً للتعامل مع النساء: وهو أن المرأة إذا أخطأت في عشرة أخطاء أن لا نؤاخذها بالأخطاء العشرة، وإنما نؤاخذها بخمسة منها مثلاً أو أربعة، ونتغاضى عن الباقي، ومستندهم قوله تعالى: {عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ} [التحريم:٣] ، ومستندهم أيضاً قول ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير قول الله سبحانه وتعالى: {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} [البقرة:٢٢٨] ، قال ابن عباس: (إني لا أحب أن أستنصف جميع حقي على امرأتي؛ لأن الله يقول: {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} [البقرة:٢٢٨] ) ، أي: فأنا إذا ساويت عقلي بعقل امرأتي فحاسبتها بكل خطأ أصبح عقلي مثل عقلها، فما هو الفارق بيني وبينها؟ لابد أن يكون هناك فارق بيننا، فالرجل هو أشد ديناً وأحكم عقلاً من المرأة؛ ولأن الرسول قال في شأن النساء: (ناقصات عقل ودين) فهذا الفاضل لابد أن يتعامل بمقتضى الفضل الذي آتاه الله إياه.

وكما قدمنا مراراً أنك إذا عاملت الطفل بعقليته لامك الناس؛ لأن عقله صغير، فإذا جئت تحاسب الطفل على كل صغيرة وكبيرة أصبح عقلك مثل عقل الطفل، لكن إذا أخطأ الطفل مرة سامحه في هذه المرة، وإذا أخطأ المرة الثانية ضربته ضرباً خفيفاً، وإذا أخطأ مرة ثالثة فبحسب المقام وبحسب الحال، وبحسب الخطأ إن كان متعمداً أو غير متعمد؟ فلا تقف للطفل على كل خطأ؛ لأنه صغير وناقص العقل.

وكذلك النساء، فقد قال فريق من أهل العلم بل جمهورهم في تفسير قول الله سبحانه: {وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} [النساء:٥] ؛ قالوا: (السفهاء) النساء والصبيان، وأصل السفاهة الرقة، فثوب سفيه، أي: ثوب رقيق، فرقة العقل وقلة العقل جبل الله سبحانه وتعالى عليها النساء، وقال سبحانه: {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى} [البقرة:٢٨٢] .

وهذا كلام الله؛ فلا تطالب المرأة أن تكون كاملة مثل الرجل، ولا تحاسب المرأة على كل الأخطاء التي تصدر منها، فإنهن جبلن على النقص، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا أربع) وذكرهن النبي صلى الله عليه وسلم.

فالشاهد: أن المرأة لا تؤاخذ بكل خطأ يصدر منها، بل تؤاخذ بالبعض ويترك لها البعض.

{عَرَّفَ بَعْضَهُ} [التحريم:٣] أي: بينه لها، (وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ) ، تكرمة منه لها، وحلماً منه عليها، وتعليماً لنا منه صلى الله عليه وسلم.

(فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ) فوجئت وقالت: {مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا} [التحريم:٣] ، والرسول ليس بثرثار، فما قال: نبأني فلان أو فلان أو فلان أو فلان، بل قال الحق: {نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ} [التحريم:٣] ، على فرض أن إحدى النساء نبأته، ولكن الذي نبأه هو الله سبحانه، كما هو في الآية صريحاً، لكن لا ينبغي أن توسع دائرة المشاكل، بل اختصر الأمر اختصاراً ولا تفتح على نفسك تحقيقات واجتماعات لا جدوى ولا طائل تحتها.

قال الله سبحانه: {قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ} [التحريم:٣] ، هنا قد يقول قائل: لماذا لم يقل: نبأني الله، ولكن أتى بلفظ: (نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ) ؟

و

الجواب

لأن اسم العليم وهو من أسماء الله سبحانه وتعالى يقتضيه هذا المقام، ولذلك ينبغي في أسماء الله الحسنى أن يؤتى بالاسم من الأسماء الحسنى موافقاً للموقف الذي يثار ويراد.