للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

عندك، وقوله تعالى وَإِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ، يريد بالآية العلامة والدلالة، وروي أنها نزلت في ركانة وهو رجل من المشركين من أهل مكة لقيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في جبل خال وهو يرعى غنما له وهو أقوى أهل زمانه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «يا ركانة أرأيت إن صرعتك أتؤمن بي؟» قال: نعم، فصرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا ثم عرض عليه آيات من دعاء شجرة وإقبالها ونحو ذلك مما اختلف فيه العلماء وألفاظ الحديث، فلما فرغ من ذلك كله لم يؤمن وجاء إلى مكة فقال: يا بني هاشم ساحروا بصاحبكم أهل الأرض فنزلت هذه الآية فيه وفي نظرائه، وقوله يَسْتَسْخِرُونَ معناه يطلبون أن يكونوا ممن يسخر، ويجوز أن يكون بمعنى يسخرون كقوله تعالى: وَاسْتَغْنَى اللَّهُ [التغابن: ٦] فيكون فعل واستفعل بمعنى، وب «يسخرون» فسره مجاهد وقتادة، وفي بعض القراءات القديمة «يستسحرون» بالحاء غير منقوطة، وهذه عبارة عما قال ركانة لأنه استسحر النبي صلى الله عليه وسلم وقرأ «متنا» بضم الميم أبو جعفر وابن أبي إسحاق وعاصم وأبو عمرو والعامة، وقرأ بكسر الميم الحسن والأعرج وشيبة ونافع، وقرأ أبو جعفر ونافع وشيبة أيضا «أو آباؤنا» بسكون الواو وهي «أو» التي هي للقسمة والتخيير، وقرأ الجمهور «أو آباؤنا» بفتح الواو وهي واو العطف دخلت عليها ألف الاستفهام، ثم أمره تعالى أن يجيب تقريرهم ب نَعَمْ وأن يزيدهم في الجواب أنهم مع البعث في صغار وذلة واستكانة، وقرأ ابن وثاب «نعم» بكسر العين، و «الداخر» الصاغر الذليل وقد تقدم غير مرة ذكر القراءات في قوله أَإِذا على الخبر والاستفهام وما يلحقها من مد وتركه وإظهار همز

وتسهيله.

قوله عز وجل:

[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١٩ الى ٢٦]

فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ (١٩) وَقالُوا يا وَيْلَنا هذا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠) هذا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١) احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ (٢٣)

وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ (٢٤) ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦)

هذا استئناف إخبار جره ما قبله، فأخبر تعالى أن بعثهم من قبورهم إنما هو زَجْرَةٌ واحِدَةٌ، وهي نفخة البعث في الصور، وقوله يَنْظُرُونَ، يحتمل أن يريد بالأبصار أي ينظرون ما هم فيه وصدق ما كانوا يكذبون به، ويحتمل أن يكون بمعنى ينتظرون، أي ما يفعل بهم ويؤمرون به، ثم أخبر عنهم أنهم في تلك الحال يقولون يا وَيْلَنا ينادون الويل بمعنى هذا وقت حضورك وأوان حلولك، وروى أبو حاتم الوقف هاهنا وجعل قوله هذا يَوْمُ الدِّينِ من قول الله تعالى لهم أو الملائكة، ورأى غيره أن قوله تعالى: هذا يَوْمُ الدِّينِ هو من قول الكفرة الذين قالوا يا وَيْلَنا، والدِّينِ الجزاء والمقارضة كما يقولون كما تدين تدان، وأجمعوا أن قوله هذا يَوْمُ الْفَصْلِ إلى آخر الآية ليس من قول الكفرة وإنما المعنى يقال لهم، وقوله تعالى: وَأَزْواجَهُمْ معناه وأنواعهم وضرباؤهم، قاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه وابن عباس وقتادة ومنه قوله تعالى: وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً [الواقعة: ٧] ، وقوله تعالى: وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ [التكوير: ٧] أي نوعت، وروي أنه يضم عند هذا الأمر كل شكل وصاحبه

<<  <  ج: ص:  >  >>