للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ومن ذلك نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن قول القائل بعد فوات الأمر: «لَو أنِّي فعلتُ كذا وكذا»، وقال: «إنّها تفتح عملَ الشَّيطان»، وأرشده إلى ما هو أنفعُ له من هذه الكلمة، وهو أن يقول: «قَدَّر الله وما شاء فعلَ» (١). وذلك لأنَّ قوله: لو كنت (٢) فعلتُ كذا وكذا لم يَفُتْني ما فاتني، أو لم أقَعْ فيما وقعتُ فيه= كلامٌ لا يُجدِي عليه فائدةً البتَّةَ، فإنَّه غير مستقبلٍ لما استدبر من أمره (٣)، وغير مستقيلٍ عَثْرتَه بـ «لو» (٤)، وفي ضمنِ «لو» ادِّعاءُ أنَّ الأمر لو كان كما قدَّره في نفسه لكان غيرَ ما قضاه الله وقدَّره وشاءه، فإنَّ ما وقع ممَّا تمنَّى خلافه إنَّما (٥) وقع بقضاء الله وقدره ومشيئته، فإذا قال: لو أنِّي فعلتُ كذا لكان خلاف ما وقع فهو محالٌ، إذ وقوعُ خلافِ المقدَّر المقضيِّ محالٌ، فقد تضمَّن كلامه كذبًا وجهلًا ومحالًا، وإن سَلِم من التكذيب بالقدر لم يَسْلَم من معارضته بقوله: لو أنِّي فعلتُ لدفعتُ ما قُدِّرَ عليَّ.

فإن قيل: ليس في هذا ردٌّ للقدر (٦) ولا جَحْدٌ (٧) له، إذ تلك الأسباب التي تمنَّاها أيضًا من القدر، فهو يقول: لو وُفِّقْتُ (٨) لهذا القدر لانْدفعَ به عنِّي


(١) هذه الجمل الثلاث قطعة من حديث أبي هريرة- رضي الله عنه -، رواه مسلم (٢٦٦٤).
(٢) «كنت» ليست في ك.
(٣) «من أمره» ليست في ك.
(٤) ك: «بل».
(٥) ج: «لما».
(٦) ك: «المقدر».
(٧) ب، ج، مب: «حجة».
(٨) في المطبوع: «وقفت» خلاف النسخ.