للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: ٣١]، فتأخر الخلق كلُّهم، وثبت أتباعُ الرسول في أفعاله وأقواله وهديه وأخلاقه فطولبوا بعدالة البينة وقيل: لا تُقبَل العدالةُ إلا بتزكيةِ {الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ} [المائدة: ٥٤]، فتأخر أكثر المُدَّعِين للمحبة، وقام المجاهدون فقيل لهم: إن نفوس المحبين وأموالهم ليست لهم فسَلِّمُوا ما وقع عليه العقد فـ {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} [التوبة: ١١١]، وعقدُ التبايع يوجب التسليم من الجانبين؛ فلما رأى التجّار عظمةَ المشتري، وقدرَ الثمن، وجلالةَ مَن جرى عقد التبايع على يديه، ومقدارَ الكتاب الذي أثبت فيه هذا العقد= عرفوا أن للسلعة قدرًا وشأنًا ليس لغيرها من السِّلَع، فرأوا من الخسران البيِّن (١) والغَبن الفاحش أن يبيعوها بثمن بخسٍ دراهمَ معدودةٍ تذهب لذتُها وشهوتها وتبقى تبِعَتُها وحسرتُها، وأنَّ (٢)

فاعل ذلك معدود في جملة السفهاء، فعقدوا مع المشتري بيعةَ الرِّضوان رضًى واختيارًا من غير ثبوت خيار، وقالوا: واللهِ لا نُقيلك ولا نَستقيلك، فلما تمَّ العقدُ وسلَّموا المبيعَ قيل لهم: قد صارت نفوسكم وأموالكُم لنا، والآن فقد رددناها عليكم أوفرَ ما كانت وأضعافَ أموالِكم معها؛ {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: ١٦٩] لم نُثامِنْكم بنفوسكم (٣) وأموالكم طلبًا للربح عليكم، ولكن ليظهر أثرُ الجود والكرم في قبول المعيب والإعطاءِ عليه أجلَّ الأثمان، ثم جمعنا لكم بين الثمن والمُثْمَن.


(١) ج: «المبين».
(٢) أي رأوا أن فاعل ذلك ... إلخ. وفي ز: «فإن» ..
(٣) المطبوع: «لم نبتعْ منكم نفوسكَم» خلافًا للأصول.