للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

لأغناهم عن هذا التكلف، فإن هذا الضمان له من ربه تعالى لا يناقض احتراسه من الناس ولا ينافيه، كما أن إخبار الله سبحانه له بأنه يُظهر دينَه على الدين كله ويُعليه لا يناقض أمرَه بالقتال وإعدادِ العُدَّة والقوة ورباط الخيل والأخذِ بالجدِّ والحَذَر والاحتراس من عدوِّه ومحاربته بأنواع الحرب والتورية، فكان إذا أراد الغزوة وَرَّى بغيرها؛ وذلك لأن هذا إخبار من الله سبحانه عن عاقبة حاله ومآله بما يتعاطاه من الأسباب التي جعلها مُفضيةً إلى ذلك مقتضيةً له، وهو - صلى الله عليه وسلم - أعلم بربه وأتبع لأمره مِن أن يُعطِّل الأسباب التي جعلها الله بحكمته موجبةً لما وعده به من النصر والظفر وإظهار دينه وغلبته لعدوه. وهذا كما أنه سبحانه ضَمِن له حياته حتى يُبلِّغَ رسالاتِه ويظهر دينه، وهو يتعاطى أسباب الحياة من المأكل والمشرب والملبس والمسكن.

وهذا موضع يغلط فيه كثير من الناس، حتى آل ذلك ببعضهم إلى أن ترك الدعاء وأنه لا فائدة فيه ــ زَعَم ــ (١) لأن المسؤول إن كان قد قُدِّر ناله ولا بُدَّ (٢)، وإن لم يقدَّر لم ينله، فأي فائدة في الاشتغال بالدعاء؟ (٣) ثم تكايس في الجواب بأن قال: الدعاء عبادة، فيقال لهذا الغالط: بقي عليك قسمٌ آخرُ وهو الحق: أنه قد قُدِّر له مطلوبُه بسببٍ إن تعاطاه حصل له المطلوب وإن عطَّل السبب فاته المطلوب، والدعاء من أعظم الأسباب في حصول المطلوب.

وما مثل هذا الغالط إلا مثل من يقول: إن كان الله قد قدَّر لي الشبع فأنا


(١) طبعة الرسالة: «وزعم أنه لا فائدة فيه» خلافًا للأصول وللطبعة الهندية.
(٢) «ولابُد» سقط من ص، د، ز، س.
(٣) انظر في هذه المسألة: «الداء والدواء» للمؤلف (ص ٢٦).