للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

عن أحدٍ من السَّلف أنَّه فسَّر الآية بإعادة اللَّفظ البتَّةَ، لا من الصَّحابة ولا من التَّابعين ولا من بعدهم.

وهاهنا أمرٌ خفيَ على من جعله إعادة اللَّفظ، وهو أنَّ العود إلى الفعل يستلزم مفارقةَ الحال التي هو عليها الآن، وعودَه إلى الحال التي كان عليها أوَّلًا، كما قال تعالى: {وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا} [الإسراء: ٨]، ألا ترى أنَّ عودَهم مفارقةُ ما هم عليه من الإحسان وَعْوُدهم إلى الإساءة. وكقول الشَّاعر (١):

وإن عادَ للإحسانِ فالعَوْد أحمدُ

والحال التي هو عليها الآن التَّحريم بالظِّهار، والَّتي كان عليها إباحة الوطء بالنِّكاح الموجِب للحلِّ، فعَوْد المظاهر عودٌ إلى حلٍّ كان عليه قبل الظِّهار، وذلك هو الموجب للكفَّارة فتأمَّلْه، فالعود يقتضي أمرًا يعود إليه بعد مفارقته.

وظهر سرُّ الفرق بين العود في الهبة وبين العود لما قال المظاهر، فإنَّ الهبة بمعنى الموهوب، وهو عينٌ يتضمَّن عودُه فيه إدخالَه في مِلكه وتصرُّفه فيه كما كان أوَّلًا، بخلاف المظاهر فإنَّه بالتَّحريم قد خرج عن الزوجة (٢)، وبالعود قد طلب الرُّجوع إلى الحال التي كان عليها معها قبل التَّحريم، فكان


(١) هو المرقّش كما في «فصل المقال» (ص ٢٥٣). وصدره:
وأحسنَ فيما كان بيني وبينه
والبيت بلا نسبة في كتاب «العين» (٢/ ٢١٧) و «الشعر والشعراء» (١/ ٣٣٩) وغيرهما.
(٢) كذا في النسخ. وفي المطبوع: «الزوجية».