للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ما عِنْدَكُمْ من أعْرَاضِ الدنيا يَنْفَدُ ينقضي ويفنى، وَما عِنْدَ اللَّهِ من خزائن رحمته، وجزيل نعمته باقٍ لا يفنى، وهو تعليل للنهي عن نقض العهد طمعًا فى العرض الفاني، وَلَنَجْزِيَنَّ «١» الَّذِينَ صَبَرُوا على الوفاء بالعهود، أو على الفاقات وأذى الكفار، أو مشاق التكاليف، أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ بما يرجح فعله من أعمالهم، كالواجبات والمندوبات، أو بجزاء أحسن من أعمالهم. وبالله التوفيق.

الإشارة: الوفاء بالعهود، والوقوف مع الحدود، من شأن الصالحين الأبرار، كالعباد والزهاد، والعلماء الأخيار.

وأما أهل الفناء والبقاء من العارفين: فلا يقفون مع شيء، ولا يعقدون على شيء، هم مع ما يبرز من عند مولاهم في كل وقت وحين، ليس لهم عن أنفسهم إخبار، ولا مع غير الله قرار. يتلونون مع المقادير كيفما تلونت، وذلك من شدة قربهم وفنائهم في ذات مولاهم. قال تعالى: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ «٢» ، فهم يتلونون مع الشئون البارزة من السر المكنون فمن عقد معهم عقدًا، أو أخذ منهم عهدًا، فلا يعول على شيء من ذلك إذ ليست أنفسهم بيدهم، بل هي بيد مولاهم. وليس ذلك نقصًا في حقهم، بل هو كمال «٣» لأنه يدل على تغلغلهم في التوحيد حتى هدم عزائمهم، ونقض تدبيرهم واختيارهم. ولا يذوق هذا إلا من دخل معهم، وإلاَّ فحسبه التسليم، وطرح الميزان عنهم، إن أراد الانتفاع بهم. والله تعالى أعلم.

وهذه الحالة التي أقامهم الحق تعالى فيها هى الحياة الطيبة، التي أشار إليها الحق تعالى بقوله:

[[سورة النحل (١٦) : آية ٩٧]]

مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)

يقول الحق جلّ جلاله: مَنْ عَمِلَ صالِحاً بأن صحبه الإخلاص، وتوفرت فيه شروط القبول، مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ إذ لا اعتداد بأعمال الكفرة في استحقاق الثواب، وإنما المتوقع عليها تحقيق العقاب، فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً في الدنيا، بالقناعة والكفاية مع التوفيق والهداية. قال البيضاوي: يعيش عيشًا طيبًا، فإنه، إن كان موسرًا، فظاهر، وإن كان معسرًا يطيبُ عيشه بالقناعة، والرضا بالقسمة، وتوقع الأجر العظيم، بخلاف الكافر، فإنه، إن كان معسرًا، فظاهر، وإن كان موسرًا لم يدعه الحرص وخوف الفوات أن يهنأ بعيشه، وقيل: في الآخرة، أي: في الجنة. هـ. وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ من الطاعة، فيجازيهم على الحسن بجزاء الأحسن. وبالله التوفيق.


(١) قرأ ابن كثير وعاصم وأبو جعفر: (ولنجزين) بالنون، وقرأ الباقون بالياء على الغيب.
(٢) من الآية ٢٩ من سورة الرحمن.
(٣) العارف الحق هو الذي يلتزم أمر الله ويجتنب مناهيه، وهو شاهد بقلبه مولاه، فان عما سواه.

<<  <  ج: ص:  >  >>