للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ سارة لمَّا سمعت بشارتهم إلى بيتها، وكانت في زاوية منه تنظر إليهم، فِي صَرَّةٍ صيحة، من الصرير، وهو الصوت، ومنه: صرير الباب وصرير الأقلام. قال الزجَّاج: الصرّة: شدّة الصياح. وفي القاموس الصرّة: - بالكسر: أشد الصياح، وبالفتح: الشدة من الكرب والحزن والحر والعطفة والجماعة وتغضيب الوجه. هـ. ومحله النصب على الحال، أي: فجاءت صارة، وقيل: صرتها: قولها: يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ ... «١»

أو: فجاءت مغضّبة الوجه، كما هو شأن مَن يُخبر بشيء غريب، استبعاداً له، فَصَكَّتْ وَجْهَها لطمته ببسط يدها، وقيل: ضربت بأطراف أصابعها جبهتها، فعل المتعجِّب، وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ أي: إنها عجوز عاقر، فكيف ألد؟!.

قالُوا كَذلِكَ أي: مثل ما قلنا وأخبرناك به قالَ رَبُّكِ أي: إنما نخبرك عن الله تعالى، والله قادر على ما يُستعبد، إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ في فعله، الْعَلِيمُ فلا يخفى عليه شيء، فيكون قوله حقاً، وفعله متقناً لا محالة.

رُوي أن جبريل عليه السلام قال لها حين استبعدت: انظري إلى بيتك، فنظرت، فإذا جُذوعُهُ مورقة مثمرة، ولم تكن هذه المفاوضة مع سارة فقط، بل هي وإبراهيمُ عليه السّلام حاضر، حسبما شُرح في سورة الحجر «٢» ، وإنما لم يذكرها اكتفاء بما ذكر هناك، كما أنه لم يذكر هناك سارة، اكتفاء بما ذكر هنا وفي سورة هود «٣» .

ولمّا تحقق أنهم ملائكة، ولم ينزلوا إلا لأمر، قالَ فَما خَطْبُكُمْ أي: فما شأنكم وما طِلبتكم وفيمَ أُرسلتم؟

أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ، هل أُرسلتم بالبشارة خاصة، أو لأمر آخر، أو لهما؟ قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ أي:

قوم لوط، لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ أي: طين متحجر، هو السجّيل، وهو طينٌ طُبخ، كما يُطبخ الآجر، حتى صار في صلابة الحجارة، مُسَوَّمَةً مُعلَّمةً، على كلِّ واحد اسم مَن يهلك بها، من السّومة وهي العلامة، أو: مرسلة، من أسمت الماشية: أرسلتها، ومر تفصيله في هود «٤» عِنْدَ رَبِّكَ أي: في مُلكه وسلطانه لِلْمُسْرِفِينَ المجاوزين الحدّ في الفجور.

فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها، الفاء فصيحة، مفصحة عن جُمل قد حُذفت، ثقةً بذكرها في مواضع أُخر، كأنه قيل: فباشروا ما أُمروا به، فذهبوا إلى لوط، وكان مِن قصتهم ما ذكر في موضع آخر، فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها أي: مِن قرى قوم لوط مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يعني لوطاً ومَن آمن معه. قيل: كان لوط وأهل بيته الذين نجوا ثلاثة


(١) كما جاء فى الآية ٧٢ من سورة هود.
(٢) عند قوله تعالى: بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ. قالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ الآيتان ٥٥- ٥٦.
(٣) فى قوله تعالى: وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ الآية ٧١.
(٤) عند تفسير الآيات ٨١- ٨٢.

<<  <  ج: ص:  >  >>