للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

الاستراحة، وأنشأ بها داراً وزاوية، ومدفناً أعدّه لدفن نفسه، آل الأمر بسبب من إنشائه أن دخل طرابلس وبها بغته الأجل، ودُفن به بعد أن خرج من طرابلس وغاب عنها عدّة سنين، على ما ستعرف ذلك.

وكان هو بطرابلس في غاية الراحة والحُرمة، وجميع أعيانها يعظّمونه ويتردّدون إليه. ثم إنه بعث إلى الأشرف بما قدّمنا ذِكره من السواقة، ولما وصل ذلك للأشرف المذكور أعجبه وذكره بخير، ثم أعاب على نفسه بنفسه، كونه لم يقدّمه في دولته، ولا نوّه به مع الصحبة القديمة الأكيدة. واتفق أن شغرت إمرة طبلخاناة بدمشق، فاستقرّ به فيها، وكتب إليه بأن يأكلها طَرْخانًا، حتى ينحلّ له ما يليق به، ووعده بالجميل، وبعث إليه مشافهة مع قاصده المتوجّه بالسواقة، فيها غاية التعظيم، فتوجّه الوالد إلى دمشق في أواخر سنة أربع وستين. واتفق أن مات الأشرف اشال بعد قليل من ذلك، وتسلطن ولده المؤيّد، فبعث إليه بطلبه إلى القاهرة، فقدِمها في أوائل شهر رمضان سنة خمس وستين، فاتفق أن جرى للمؤيَد ما جرى من خلْعه، ثم سلطنة الظاهر خُشقدم، فأنس به وقرّبه واختصّ به، وأذِن له أن يقيم بالقاهرة على ما بيده من إمرية بدمشق طَرْخاناً، كما كان، وأذِن له بالاجتماع به في الأسبوع مرتين في يومي الجمعة والثلاثاء، وأعاد إليه بعض مرتّبات كانت باسمه وأخرجت عنه، ورتّب له بحمال عليق (١) وكير ذلك، وجالسه وسارره وشاوره في كثير من أموره، وقبِل الكثير من شفاعاته، وتكلّم في أيامه في كثير من القضايا المهمّة وأنهاها، وانتفع به الكثير من الناس بواسطة ذلك، وقُصد، وتردّد الناس إلى بابه، وازدحموا عليه، مع عدم التفاته إلى شيء مما في أيديهم، وغاية عفّة عن ذلك ونزاهة، وكوتب من أقاصي المملكة في كثير من المهمّات وأنهاها، وأحسن السفارة فيها، ودام على ذلك في حُرمة ووجاهة إلى أن كان من أمر الخليفة المستنجد باللَّه ما تقدّم بيانه في سنة إحدى وسبعين، من أن يكلّم له السلطان في عساه أن يأذن له بالنزول إلى محلّ سُكنى الخلفاء قبله، فاجتمع بالسلطان وكلّمه في ذلك من غير أن يحسب عُقباه، ولا أعمل فيه فِكره، إلى أن كان ما قدّمنا ذِكره من إخراجه إلى مكة المشرّفة، على ما عرفته فلا نعيده، وبيّنّا أيضاً كيف توجّه إلى العراق صحبة الحاج العراقي مع الأمير عبد الحق بن الجُنَيد (٢) أمير الركب في تلك السنة، وكيف جال عدّة من تلك البلاد، وكان قصْده الاجتماع بجهان شاه ملك العراق وتبريز، فكأن من شأن قتْلته على يد حسن الطويل ما تقدّم ذكره.


(١) في الأصل: "عليقًا".
(٢) لم أجد له ترجمة.

<<  <  ج: ص:  >  >>