للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

الدولة، ونزل بالمطعم، فألبس الأمراء على العادة منه في ذلك، وعاد إلى القاهرة في موكب حافل، وقعد الناس لرؤيته، فشقّ القاهرة صاعدًا القلعة حتى دخلها.

(نزول السلطان إلى الإسطبل للحكم به) (١)

وفيه، في يوم السبت، ثالث عشرينه، نزل السلطان للإسطبل فجلس بالمقعد الكائن به، وابتدأ بالحكم فيه بين الناس، وأمر بالمواظبة على حضوره به، وعمل الخدمة السلطانية به في يومين: السبت والثلاثاء، وذلك على عادة من تسلطن من الملوك. ولم يقع لهذا السلطان ذلك من يوم سلطنته سوى في هذه السنة في هذه الأيام، وما عرفتُ ما الباعث للسلطان على ذلك، فإن سلاطين السلف الماضي لما كانوا كثيري (٢) الأحتجاب عن أعينُ الناس، ولا يقام لهم الموكب السلطاني في يومي السبت والثلاثاء بالحوش، بل ولا كان يدخل إلى الحوش من المماليك السلطانية ولا غيرهم إلّا من عليه ثياب الموكب، ولا كان أحد (٣) يجتمع بالسلطان بالحوش والدهشة إلّا الأخِصّاء المقرّبون (٤) جدًّا لا غير. وكان من له حاجة عند السلطان من أكابر الأمراء وغيرهم لا يمكنه اجتماعه به إلّا في القصر السلطاني في ليالي المواكب فقط. ولهذا كان السلطان منهم ينزل إلى الإسطبل، ويجلس به للمظالم في يومي السبت والثلاثاء، وكانت العادة أن يكون ذلك في أيام الشتاء غالبًا، والخيل بالرَبْع أمام القرط، لخُلُوّ الإسطبل في هذه الأيام من الغَوش والغلمان.

فأمّا في هذا الزمن فالسلطان من سلاطين هذه الأزمان، صار يجلس بالحوش على الدكّة، وينظر في الأحكام بنفسه فيه، وقلّ من يُمنع من دخول الحوش، فأيّ شيء هو المُحوج له لنزوله إلى الإسطبل؟ وما ذلك إلا مجرّد تَشَهّي على غالب ظنّي، للتشبّه بأوَلئك مع الغفلة عن القواعد الماضية للملوك الخالية. ولعلّ يمكن أن يكون له وجه، وهو أن الإذن والحجاب يكون بالإسطبل مرفوعًا مكانه إذن عام لكل أحد بدخوله، فيتوصل فيه كل أحد إلى السلطان بخلاف الحوش، فإنّ في دخوله بعض تكلُّف على كثير من الناس، فيكون هذا الموكب أعمّ من موكب الحوش بهذا الاعتبار. ومن ذلك الحين إلى يومنا هذا صارت السلاطين تفعل هذا بعد خُشقدم، ففعله تمُربُغا في سلطنته، وزاد الأشرف قايتباي سلطان العصر بأن صار ينزل في هذه الأيام في أيام الربيع إلى الميدان الأسود، ويجلس بمقعده،


(١) العنوان من الهامش.
(٢) في الأصل: "لما كانوا كثيروا".
(٣) في الأصل: "ولا كان أحدا".
(٤) في الأصل: "المقربين".

<<  <  ج: ص:  >  >>