للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

قاصدًا الصيد، وهذا أول نزولٍ نزله الظاهر هذا للصيد والرماية. فلما كان آَخر النهار عاد في موكب حافل بأبّهة المُلك، وشقّ القاهرة من باب النصر حتى خرج من باب زويلة، وأخذ على طريق البسطيّين صاعدًا القلعة، ثم تكرّر منه بعد ذلك في هذه السنة النزول إلى الصيد والرماية غير ما مرة، في شهور مختلفة في أيام منها.

ووقف له إنسان من أهل البجاحة والتمسخر، يقال له عمر، يجعل على رأسه طرطوراً، به كثير أذناب الثعالب والسّمَّور وغير ذلك، ومعه على وسطه سيف من خشب، وبيده دُفّ وورقة طويلة ممن لقيه من الأعيان أو غيرهم ممن يأمله، يقف عنده ويظهر أنه يحاسبه على مقبوض ومصروف، ويجعل نفسه كأنه يقرأ في تلك الورقة التي في يده، وهو يسرع في كلامه، ويذكر مبالغ لها صورة، ويجعلها أصولًا، ثم يذكر مصارف بعددها، يخصم بها تلك الأصول التي تكلّم بها وجمعها، ثم يُبقي مبلغًا كبيرًا، ثم يُسقط منه شيئًا فشيئًا، إلى أن يبقى إمّا دينار أو ما يختاره هو، وأقلّ ذلك الفلْس، فيأخذه ممن يُظهر أنه يحاسبه، وتارة يطيل في كلامه، وتارة يختصره بحسب انبعاث من يقصده.

فاتفق أن السلطان خرج من باب زويلة في بعض ركباته، بعد أن دخل من باب النصر، فاعترضه عمر هذا بالبسطيين بطريقه، ثم أخذ يماشي السلطان قريبًا منه لا يبعد، فأحسّ بحيث يراه ويسمعه، وقد تهيّأ له قبل ذلك، وتطوّر فوق تطوّره المعتاد، ومعه ورقة، فأخذ في محاسبة السلطان بعد أن رفع صوته بإعلاء الدعاء له بالنصر، حتى استفاق له وصار ذهنه معه، وكان يعرفه قبل ذلك بما هو فيه من البجاحة، فأخذ يذكر أحوالًا هائلة الكميّة، ثم قلب الورقة، وأخذ يذكر خصومًا إلى أن بقي عنده دينار واحد (١)، والسلطان يضحك منه مبتسمًا، وكذلك من بين يديه من الأمراء وغيرهم. ولا زال حتى فرغ وقال: هاتِ الدينار الذي بقي. فأمر له بعشرة دنانير، فأخذها في الحال وانصرف.

وجرى له ما يقرب من هذه أيضًا في بعض ركباته مع شخص يسمّى () (٢) عليه ثياب خلقة، وهو فقير جدًّا، يتطوّر بتطوّر السُعاة الذين يمشون بين يدي رباب الدولة قائلين: سالم، دائم، إن شاء الله، إلى غير ذلك من كلمات. وكذا يفعلون مع من يلبس الخلع وينزل من القلعة، وكان () (٣) هذا يأخذ عصاه ويقف على باب القلعة. ولم يزل إلى الآن على ذلك، فإذا نزل إنسان بخلعة مشى أمامه وهو يدعو له، وجعل ذلك كالمكسب له والمعيشة.


(١) في الأصل: "دينارًا واحدًا".
(٢) بياض في الأصل.
(٣) بياض في الأصل.

<<  <  ج: ص:  >  >>