للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

قبله مُعظّمون، وإنّما عند ملوك الأقطار مُراعون، لا سيما خليل هذا، وما حصل عليه ولا على أسلافه من قبله أذَى ولا ضرر، ولا قُصد من أحدٍ من الملوك النائية، بل الملوك يراعونهم ويكارمونهم ويسألونهم، ويعتقدون ديانتهم وسيادتهم، ورسوخ قدمهم في المُلك، وأن مُلكهم موروث (١) لهم أبًا عن جدّ، ويرون معارضتهم من العار. وكانت الملوك النائية من سائر طوائف ملوك الإسلام تُهادي خليل هذا وتراسله وتبجّله وتعظّمه وتحترمه، حتى إن السلطان مراد بن عثمان أوصاه مع بُعده عنه على ولده السلطان محمد الذي ملك بعده، وناهيك من توصية مثل ابن (٢) عثمان على مثل ولده محمد، ولا زال على ملكه وسلطانه هذه المدّة المطوّلة حتى بَغَتَه أجَلُه.

وكان ملكًا جليلًا شهمًا عاقلًا، مدبّرًا، سَيوسًا، عادلًا، خيّرًا، ديّنًا، شجاعًا، بطلًا، مقدامًا، ذا رأي وحنكة، وحزم وعزم، وفضل، وعلم، وذكاء، وفَهْم، يحبّ العلم والعلماء، ويجالسهم ويعظّمهم. وكان كثير التعظيم للشيخ فتح الله الشَرَواني (٣) عالم بلاده، الذي قدم القاهرة بعد السبعين وثمانمائة، أظنّ في سنة خمس وسبعين حاجًّا، وكان التمس منه مرة أن ينقل له كتاب "الأنوار" من اللغة العربية إلى اللغة الفارسية، ليكون سهلًا عليه في الاستفادة منه، لكونه لسانه، ولا يدري العربية، ففعل له ذلك بعد أن تعب عليه العلّامة فتح الله المذكور التعب البالغ، ودام في ذلك نحو السبع سنين، حتى حرّره له، وكان دأب خليل هذا وعادته في كل سنة جَمْعَ علماء بلاده في شهر رمضان من سائر بلدان ممالكه، يقيمون عنده الشهرَ جميعه، ويتذاكر معهم العلم. ثم إذا كان أول العشر الأخير من الشهر، اختار منهم عشرة لوعظه، كل إنسان يومًا، حتى يفرغ الشهر، فيخيّر الجميع تمرينات لهم كأنها ( ...... ) (٤) ويخلع عليهم الخِلَع السنيّة، ويعيدهم بعد أن يعيّد معهم عيد (الفطر) (٥)، ثم يأمرهم بالإنصراف. وكان يحضّ عساكره على إقامة الصلاة وملازمتها، ويؤدّب من بلغه عنه تركُها أو تهاونه بها، ويزجره على ذلك. وبالجملة فكان من أجلّ الملوك و ( … ) (٦) عاملًا بالشرع متمسّكًا به،


(١) في الأصل: "موروثا".
(٢) في الأصل: "بن".
(٣) هو فتح الله بن أبي يزيد بن عبد العزيز بن إبراهيم الشرواني الشافعي. كان موجودًا بعد ٨٧٠ هـ. انظر عنه في: الضوء اللامع ٦/ ١٦٦، ١٦٧ رقم ٥٥٧، ومعجم المؤلفين ٨/ ٥٨.
(٤) كلمتان ممسوحتان.
(٥) ممسوحة في الأصل. أضفناها لاقتضاء السياق قبله.
(٦) كلمة ممسوحة.

<<  <  ج: ص:  >  >>