للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

وغلط، بل كذب من قال إنه حضر من الإسكندرية على نحو الطبلخاناة، فإنها كانت طبلخاناة وزيادة، وكان يحضر الخدمة السلطانية مع مقدَّمين (١) الألوف، ثم أضيف إليه نظر دار الضرب، ثم أُمّر على الحاج بالمحمل، وخرج إلى الحج بأُبّهة، زائدة في سنة تسع وثلاثين، وكانت ثانية له، فإنه حج قبلها حجّة الإسلام صحبة والده، ثم عاد في التي تليها، ولازم أيضًا مجالس شيخ الإسلام ابن (٢) حجر في سماع الحديث، وسمع عليه الكثير وعلى غيره من العلماء، بل كان له بداره مجلس محفوف بالعلماء، ثم طلبه الأشرف للوزارة، فامتنع من ذلك، فألخ عليه، فاشترط عليه شروطًا، ثم وليها في سنة أربعين، وباشرها مدّة يسيرة، ورأى بها ما لا يليق به من الأمور، فاستعفى منها، فأجيب إلى ذلك، وبقي على ما بيده من الطبْلخاناة، ثم ولّاه نيابة الكَرَك والشَوْبك، عِوضًا عن عمر شاه لاستئمان السلطان إيّاه. وكانت الكرَك إذ ذاك من أجلّ النيابات، وكانت قلعتها مشحونة بالأموال، والحواصل بالغلال.

حدّثني الوالد صاحب الترجمة قال: لما ولّاني الأشرف الكرَك ورأى في وجهي أمارة الكراهة لخروجي من القاهرة، قال لي في خلوة: أتدري لماذا ولّيتُك الكرَك؟

قال: فقلت: نعم، ليبعدني مولانا السلطان عن مشاهدة وجهه الذي هو عندي أعظم من ألف كرَك، ولأنه ملّني.

فقال: لا واللَّهِ، إتما ولّيتها لك لتكون معقلًا وذخيرة لولدي، فإنني سأموت عن قريب، فإنه كان متضاعفًا، وكأنه أحسّ من نفسه ما لم يعهده قبل ذلك منها، وكان ذلك مقدّمات مرض موته، وكان لا يُظهر ذلك.

ثم قال له: وأنا أعرف أنني إذا متّ ربّما قاموا على ولدي، وربّما احتاج إلى حصنٍ ما قربه فيجيء إليك، وهذه خالته عندك مثل أمّه.

قال: ثم أخذ يوصيني على أشياء كثيرة. ولهذا لما فُقد العزيز من الدور السلطانية وكثُرت الأقاويل في شأنه كان من جملة ما قيل إنه ذهب إلى زوج خالته بالكَرك، وكان هذا القول في الحقيقة سببًا لتنبُّه الظاهر على صرف الوالد من الكرَك. ثم لما خرج الوالد إلى الكرَك أقام بها نحو السنتين، ثم صُرف عنها بآقبْغا التركماني (٣)، وبعث به إلى صفد على أتابكيّتها يأكلها طرخانًا مُعفى عن الكُلَف


(١) الصواب: "مع مقدّمي".
(٢) في الأصل: "بن".
(٣) هو آقبُغا من مامش التركماني الناصري فرج مات سنة ٨٤٣ هـ. انظر عنه في: نيل الأمل ٥/ ١١٦، ١١٧ رقم ١٩٥٤ وفيه مصادر ترجمته.

<<  <  ج: ص:  >  >>