للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ووقع على القصص فأولى مننا، وأجرى الله به الخيرات زمنا، ولم يقصد إلا وجه الله بفعله، ولا أسدى المعروف إلا لأهله، ثم مات غالب من جرى لهم به ذلك المعروف، وبقي في بقاياهم، وحصل به الملوك الذين كتب عنهم الآخرة ببعض دنياهم؛ ولم يكن أسرع منه إلى أداء حق واجب، ولا أدعى لصحبة صاحب، ولا أسبق إلى عيادة مريض، وتشييع جنازة، وتنويع كرامة وغزارة، مع ملازمة الصلاة في الجماعة، وتعهد للمسجد لو قدر لما غاب عنه ساعة، ومداومة تلاوة لا يفتر من تردادها، وصلوات لا يخل بأورادها؛ هذا وبابه مفتوح، وسحابه ممنوع، وتجشّمه مع جلسائه مطروح وتجهّمه بالنّسبة إلى غيره خفّة روح، لبشاشة وجه تروي غلة الصادي، وسعة صدر تفيض على رحاب النادي، وسرعة إجابة تعاجل صوت المنادي، مع يد في هذا الشأن لا يخونها بنانها، بل يزينها بيانها.

* ومن نثره ما تتعب القرائح في أثره، قوله يصف قلعة «١» : ذات أودية ومحاجر، لا تراها العيون لبعد مرماها إلا شزرا، ولا ينظر ساكنها العدد الكثير إلا نزرا، ولا يظن ناظرها إلا أنها طالعة بين النجوم بما لها من الأبراج، ولها من الفرات خندق يحفها كالبحر المحيط، إلا أن هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج، ولها واد لا يقي لفحة الرمضاء «٢» ولا حرّ الهواجر، وقد توعرت مسالكه، ولا يداس فيه إلا على المحاجر، يتفاوت ما بين مرآه العلي وقراره العميق، ويقتحم راكبه الهول في هبوطه، وكأنما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ

»

ومنه قوله، ولقد أحسن في وصف القلم، فقال:

<<  <  ج: ص:  >  >>