للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فمعرفة [٣٩/أ] ما دل عليه القرآن والسنن من الأحكام أسهل بكثير كثير من معرفة الأعلم الذي اجتمعت فيه شروط التقليد، ومعرفة ذلك مشقة على العالم الراسخ فضلًا عن المقلد الذي هو كالأعمى. وإن كلّفنا بتقليد البعض ــ كأنْ (١) جعل ذلك إلى تشهِّينا واختيارنا ــ صار دين الله تبعًا لإرادتنا واختيارنا وشهواتنا، وهو عين المحال؛ فلا بدّ أن يكون ذلك راجعًا إلى من (٢) أمر الله باتباع قوله وتلقِّي الدين من بين شفتيه، وذلك محمد بن عبد الله بن عبد المطلب رسول الله وأمينه على وحيه وحجته على خلقه، ولم يجعل الله هذا المنصب لسواه بعده أبدًا.

الثاني: أنّ بالنظر والاستدلال صلاحَ الأمور لا ضياعها، وبإهماله وتقليد من يخطئ ويصيب إضاعتها وفسادها، كما الواقع شاهد به.

الثالث: أن كل واحد منا مأمور بأن يصدِّق الرسول فيما أخبر به (٣)، ويطيعه فيما أمر، وذلك لا يكون إلا بعد معرفة أمره وخبره. ولم يوجب الله سبحانه من ذلك على الأمة إلا ما فيه حفظُ دينها ودنياها وصلاحها في معاشها ومعادها، وبإهمال ذلك تضيع مصالحها وتفسد أمورها، فما خراب العالم إلا بالجهل، ولا عمارته إلا بالعلم، وإذا ظهر العلم في بلد أو محلّةٍ قلّ الشر في أهلها، وإذا خفي العلم هناك ظهر الشر والفساد. ومن لم يعرف هذا فهو ممن لم يجعل الله له نورًا. قال الإمام أحمد (٤): لولا العلم كان


(١) في المطبوع: «وكان»، وليس في النسخ الواو.
(٢) «من» ساقطة من ت.
(٣) «به» ليست في ع.
(٤) حكاه الغزالي في «الإحياء» (١/ ١١) وابن الجوزي في «التبصرة» (٢/ ١٩٣) عن الحسن.