للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[سبيل المؤمنين الاستثناء والخوف والرجاء]

قال: [فهذه سبيل المؤمنين وطريق العقلاء من العلماء لزوم الاستثناء والخوف والرجاء، لا يدرون كيف أحوالهم عند الله، ولا كيف أعمالهم، أمقبولة هي أم مردودة؟ قال الله عز وجل: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة:٢٧].

وأخبر عن عبده الصالح سليمان عليه الصلاة والسلام في مسألته إياه: {وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ} [النمل:١٩].

أفلا تراه كيف يسأل الله الرضا منه بالعمل الصالح؛ لأنه قد علم أن الأعمال ليست بنافعة وإن كانت في منظر العين صالحة، إلا أن يكون الله عز وجل قد رضيها وقبلها]، أي: ممكن أن يكون العمل في أعين الناظرين إليه عمل صالح، لكن الله تعالى لم يتقبله، فكيف ينتفع به العامل؟ ولذلك قال سليمان: ((وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا)) أي: يا رب! ارزقني أن أعمل عملاً صالحاً.

قال: [وهذا لا يقدر على حتمه وجزمه] بالقبول [إلا جاهل مغتر] كالمرجئة، [نعوذ بالله من الغرة بالله والإصرار على معصية الله، أما ترون رحمكم الله عز وجل إلى الرجل من المسلمين قد صلى الصلاة فأتمها وأكملها، وربما كانت في جماعة وفي وقتها، وعلى تمام طهارتها، فيقال له: صليت؟ فيقول: نعم إن قبلها الله].

مع أنه بإمكانه أن يقول: نعم صليت، فيذكر بأنه قد صلى، لكنه حينما قال: صليت إن قبلها الله؛ لأنه يعلم أن حقيقة الصلاة هي المقبولة.

قال: [وكذلك القوم يصومون شهر رمضان فيقولون في آخره: صمنا إن كان الله قد تقبله منا]، وإلا فلا ينفعنا وإن كنا قد صمنا.

قال: [وكذلك يقول من قدم من حجه بعد فراغه من حجه وعمرته وأداء جميع مناسكه إذا سئل عن حجه إنما يقول: قد حججنا ما بقي غير القبول، وكذلك دعاء الناس لأنفسهم عند انقضاء شهر رمضان وفي الأعياد وغير ذلك، وبهذا مضت سنة المسلمين، وعليه جرت عاداتهم، وأخذه خلفهم عن سلفهم، فليس يخالف الاستثناء في الإيمان ويأبى قبوله إلا رجل خبيث مرجئ ضال قد استحوذ الشيطان على قلبه، نعوذ بالله منه].

قال: [وقال أبو عبد الله أحمد بن حنبل: كان سليمان بن حرب يحمل الاستثناء على التقبل]، أي: إذا سئل: أأنت مؤمن؟ يقول: نعم إن شاء الله، يقصد بالمشيئة القبول لا التمام والكمال، [ويقولون: نحن نعمل ولا ندري أيتقبل منا أم لا].

قال: [وقال الوليد: سمعت الأوزاعي ومالك بن أنس وسعيد بن عبد العزيز لا ينكرون أن يقولوا: أنا مؤمن، ويأذنون في الاستثناء أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله].

فالذي جزم من السلف بأنه مؤمن بغير استثناء إنما تكلم عن أصل الإيمان، وجماهير أهل السنة على الاستثناء.

قال: [قال جرير بن عبد الحميد: الإيمان قول وعمل].

يزيد وينقص، وزيادته ونقصانه تتعلق بالعمل.

وكما قلنا من قبل: الرجل يعمل العمل ولما يدري أقبله الله تعالى منه أم لا، فينبغي أن يعلق زيادة الإيمان ونقصانه على مشيئة الله عز وجل.

قال: [وكان الأعمش ومنصور ومغيرة والليث وعطاء وإسماعيل بن السائب وابن أبي خالد وعمارة والعلاء وغير واحد يقولون: نحن مؤمنون إن شاء الله، ويعيبون من لا يستثني].

قال: [وقال أحمد بن حنبل: إذا قال الرجل: إني مؤمن إن شاء الله فليس هو بشاك]، خلافاً لقول المرجئة الذين يقولون: إذا قال الرجل: أنا مؤمن إن شاء الله فهو يشك.

قال: [فقيل له: إن شاء الله ليس هو شكا.

قال: معاذ الله، أليس الله تعالى يقول: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} [الفتح:٢٧] أي: هل الله تعالى شك في دخوله؟

الجواب

لا.

قال: [وصاحب القبر إذا قال عليه: أبعث إن شاء الله، فأي شك هاهنا.

وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (وإنا إن شاء الله بكم لاحقون)]، فلا يمكن أن يكون هذا شكاً.

قال: [وعن عائشة قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج إذا كانت ليلة عائشة، إذا ذهب الليل إلى البقيع فيقول: السلام عليكم أهل ديار قوم مؤمنين، وإنا وإياكم وما توعدون غداً مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون)].

والنبي صلى الله عليه وسلم على يقين من كلامه.

قال: [وعن أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام أتى المقبرة فقال: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون)].

قال: [وقال أحمد بن حنبل لما سئل عن الاستثناء: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، فاستثني مخافة واحتياطاً، ليس كما يقولون على الشك، إنما يستثني للعمل].

أي: أنه يستثني