للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[إخبار الله في كتابه وعلى لسان رسوله أنه يرسل الشياطين فتنة للكافرين الذين حق عليهم القول]

قال: [فقد أخبرنا الله تعالى في كتابه وعلى لسان رسوله أنه يرسل الشياطين فتنة للكافرين الذين حق عليهم القول، ومن سبقت عليه الشقوة].

أي: ومن سبق في علم الله أنه شقي، فلابد أن يهيئ له الأسباب، ومنها: إرسال الشياطين عليه حتى يؤزوهم أزاً، ويحرضوهم على الكفر تحريضاً، ويزينوا لهم سوء أعمالهم، وكذلك أخبرنا أنه تعالى فتن قوم موسى حتى عبدوا العجل وضلوا عن سواء السبيل.

قال الله عز وجل: {قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ} [طه:٨٥].

والمتكلم هو الله عز وجل، إذاً الله تعالى هو الذي فتن بني إسرائيل؛ لأنه قد سبق في علمه الأزلي أنهم سيختارون الضلال فكتبه عليهم، رغم وضوح الحجة وقيام المحجة عليهم على لسان موسى عليه السلام، لكنه لما تخلف عنهم في طور سيناء عبدوا العجل من دون الله عز وجل، وكانت هذه أعظم فتنة لقيها موسى عليه السلام مع بني إسرائيل.

وقال عز وجل: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [الأنبياء:٣٥].

فالخير من المال والدنيا والولد والزوجة والصحة والعافية، كل ذلك فتن عظيمة جداً؛ لينظر الله عز وجل أيصبر المرء فيشكر أم يكفر ويجزع.

قال عز وجل: {وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الأعراف:١٦٨]، أي: يتوبون إلى الله عز وجل، ((وَبَلَوْنَاهُمْ) أي: ابتليناهم واختبرناهم بالحسنات والسيئات، فأحياناً يغتر المرء بطاعته، فإذا وقع منه ذلك كان الغرور سبباً إلى زوال النعمة عنه ودخوله النار، ولذلك نظر رجل من العباد في عمله فرأى أنه طائع لله عز وجل، ثم نظر إلى عمل رجل من أهل المعاصي فقال: والله لا يغفر الله تعالى لفلان -أي لصاحب المعصية- فقال الله عز وجل: (من ذا الذي يتألى علي ألا أغفر لفلان، قد غفرت له وأحبطت عملك)، كما تجد في بعض الكتب قول كثير من أهل العلم: رب طاعة أدخلت صاحبها النار، ورب معصية أدخلت صاحبها الجنة.

فقولهم: (رب طاعة أدخلت صاحبها النار)، أي: بسبب أنه اغتر بذلك وركن إليها، ولعله قطع على الله عز وجل حقاً أن يدخله الجنة بسبب هذه الطاعة، وأنتم تعلمون أن الطاعات كلها لا تساوي نعمة واحدة من نعم الله عز وجل على العبد، فلا يغتر العبد بحسن عمله؛ لأن الأعمال بالخواتيم، فربما يعمل المرء عملاً طيلة حياته هو من عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، والعكس بالعكس.

لذا فالمرء ينبغي أن يكون خائفاً من قدومه على الله عز وجل، ولا يأمن أن يلقيه في الجنة أم في النار، يكلمه أم يشقيه ويبعده، فإذا كانت هذه عقيدة المرء أو عقيدة المسلمين فينبغي ألا يغتر طائع بطاعته؛ لأن طاعته لله عز وجل هي أيضاً من نعم الله عز وجل، فلا فضل له في هذه الطاعة قط، وإنما الله تعالى هو الذي وفقه، ولذلك من عقيدة أهل السنة والجماعة: أننا نرجو الله تعالى لأهل الطاعة أن يدخلهم الجنة، ونحسن الظن بالله تعالى أن يلقى أهل طاعته بقبول حسن، وأما أهل المعاصي فإننا لا نقطع لهم بجنة ولا نار، كما لا نقطع كذلك بالجنة لأهل الطاعة وإنما نرجو الله، وكذلك أهل المعاصي لا نقطع لهم بالنار؛ لأنهم لا زالوا في دائرة الإسلام ما دامت هذه المعصية لا تخرجهم عن حد الإسلام، وإنما نرجو الله تعالى لأهل المعاصي أن يغفر لهم، وأن يستر عليهم في الدنيا والآخرة، وكلنا أصحاب معاص، من منا ليس ملوثاً ملطخاً بالكبائر والصغائر؟ كلنا أصحاب ذنوب، ولكنا ذلك الرجل الذي نرجو له جميعاً أن يعفو الله تعالى عنه في الدنيا والآخرة وأن يستره، فهذه عقيدة أهل السنة والجماعة.

وقولهم: (ورب معصية أدخلت صاحبها الجنة)، أي: لانكساره وذله وندمه وتوبته بعد فعلها.

قال: [وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ} [غافر:٣٧]]، هذه بلية عظيمة جداً، إذ إن المرء يعمل عملاً سيئاً ويعلم أن هذا العمل سيئ وبلية، والأعظم منه أن تعمل السيئات ثم تزين وتجمل لك، وتلمع لك حتى تصدق أنك عملت عملاً حسناً لا سيئاً.

إذاً: عمل السيئات بلاء عظيم، والأعظم منه بلاء أن يهيأ لك أن هذا العمل عمل حسن، إنه عمى يتلوه عمى، وضلال يعقبه ضلال.