للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فَقَالَ اللَّه تَعَالَى: يا أرميا، من عصاني فلا يستنكر نقمتي، فإني إِنَّمَا أكرمت هَؤُلاءِ الْقَوْم عَلَى طاعتي، ولو أنهم عصوني لأنزلتهم دار العاصين إلا أَن تداركهم رحمتي.

قَالَ أرميا: يا رب اتخذت إِبْرَاهِيم خليلا وحفظتنا بِهِ، وموسى نجيا فنسألك أَن تحفظنا ولا تسلط عَلَيْنَا عدُونَا، فأوحى اللَّه تَعَالَى إِلَيْهِ: يا أرميا إني قدستك فِي بطن أمك وأخرتك إِلَى هَذَا اليوم، فلو أَن قومك حفظوا اليتامى والأرامل/ والمساكين وابن السبيل، وكنت الداعم لهم، وكانوا عندي بمنزلة جنة ناعم شجرها طامر، لا يغور ماؤها، ولا يبور ثمرها، إني كنت لَهُمْ بمنزلة الراعي الشفيق، أجنبهم كُل قحط وكل عزة، واتبع بهم الخصب حَتَّى صاروا كباشا ينطح بَعْضهَا بَعْضًا.

فيا ويلهم ثُمَّ يا ويلهم إِنَّمَا أكرم من أكرمني، وأهين من هان عَلَيْهِ أمري إِن من كَانَ قبل هَؤُلاَءِ الْقَوْم من القرون يستخفون بمعصيتي، وإن هَؤُلاءِ الْقَوْم يظهرون معصيتي فِي المساجد والأسواق وعلى رءوس الجبال، وظلال الأشجار حَتَّى عجت السماء إلي منها، وَالأَرْض والجبال، ونفرت منها الوحوش، فِي كل ذلك ينتهون ولا ينتفعون بِمَا علموا من الكتاب.

قَالَ: فلما بلغهم أرميا رسالة ربهم وسمعوا مَا فِيهَا من الوعيد عصوه وكذبوه، وَقَالُوا: أعظمت عَلَى اللَّه الفرية، وتزعم أَن اللَّه معطل أرضه ومساجده من كتابه وعباده وتوحيده، فمن يعبده حِينَ لا يبقى لَهُ فِي الأَرْض عابد ولا مَسْجِد ولا كتاب، لَقَدْ أعظمت الفرية، واعتراك الجنون.

فأخذوه وقيدوه وسجنوه، فعند ذَلِكَ بعث اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِم نصر.

[[ذكر خبر نصر البابلي] [١]]

لما ولي لهراسب وتمكن ملكه بعث نصر، وَهُوَ رجل من الأعاجم، فأتى دمشق وصالح أهلها، ووجه قائدا لَهُ، فأتى بَيْت المقدس فصالح ملك بَنِي إسرائيل، وأخذ منه رهائن وانصرف. فلما بلغ طبرية وثب بنو إسرائيل عَلَى ملكهم، فَقَالُوا: داهنت


[١] ما بين المعقوفتين: مكانه بياض في الأصل، وما أوردناه من المختصر.

<<  <  ج: ص:  >  >>