للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

غدير كان ماؤه نقاعة الحناء، فأما قوله: «تنزهوا من البول» [١] فإن للتنزه حدا معلوما، فإما الاستشعار فإنه إذا علق نما وانقطع الوقت بما لا يقتضى بمثله الشرع.

قال ابن عقيل: كان الوزير أبو شجاع كثير البر للخلق، كثير التلطف بهم، فقدم من الحج وقد اتفق نفور العوام نفورا أريقت فيها الدماء، وانبسط حتى هجموا على الديوان، وبطشوا بالأبواب والستور، فخرج من الخليفة إنكار عليه، وأمره أن يلبس أخلاق السياسة لتنحسم مادة الفساد، فأدب وضرب وبطش، فانبسطت فيه الألسنة بأنواع التهم، حتى قال قوم: ها هو إسماعيلي وهبط عندهم ما تقدم من إحسانه. قال ابن عقيل: فقلت لنفسي: أفلس من الناس كل الإفلاس، ولا تثقي/ بهم، فمن يقدر ١٢/ ب على إحسان هذا إليهم وهذه أقوالهم عنه. قال ابن عقيل: وقد رأيت أكثر أعمال الناس لا يقع إلا للناس إلا من عصم الله من ذاك، إني رأيت في زمن أبي يوسف [٢] كثيرا من أهل القرآن والمنكرون لإكرام أصحاب عبد الصمد، وكثر متفقهة الحنابلة، ومات فاختل ذلك فاتفق ابن جهير، فرأيت من كان يتقرب إلى الشيخ بالصلاح يتقرب إلى ابن جهير برفع أخبار العاملين [٣] ، ثم جاءت الدولة النظام، فعظم الأشعرية، فرأيت من كان يتسخط على بنفي التشبيه غلوا في مذهب أحمد، وكان يظهر بغضي يعود [علي] [٤] بالغمض على الحنابلة، وصار كلامه ككلام رافضي وصل إلى مشهد الحسين فأمن وباح، ورأيت كثيرا من أصحاب المذاهب انتقلوا ونافقوا، وتوثق بمذهب الأشعري والشافعي طمعا في العز والجرايات، ثم رأيت الوزير أبا شجاع يدين بحب الصلحاء والزهاد، فانقطع البطالون إلى المساجد، وتعمد خلق للزهد، فلما افتقدت ذلك قلت لنفسي: هل حظيت من هذا الافتقاد بشيء ينفعك؟ فقالت البصيرة: نعم، استفدت أن الثقة خيبة، فالغنى بهم إفلاس وليس ينبغي [٥] أن يعول على غير الله.


[١] أخرجه الدار الدّارقطنيّ في سننه ١/ ١٢٧، وراجع نصب الراية ١/ ١٢٨.
[٢] في الأصل: «في زمن ابن يوسف» .
[٣] في ص: «كان يتقرب إلى ابن جهير يرفع أخبار العاملين» .
[٤] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.
[٥] في ص: «ولكن ينبغي» .

<<  <  ج: ص:  >  >>