للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

يتخلف من أشرافها أحد، إلا أن أبا لهب بعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة، وكان أمية بن خلف شيخا ثقيلا فأجمع القعود، فأتاه عقبة بن أبي معيط بمجمرة فيها نار، فوضعها بين يديه، ثم قال له: استجمر فإنما أنت من النساء، قال: قبحك الله وقبح ما جئت بِهِ. ثم تجهز وخرج [مع] [١] الناس، فلما أجمعوا السير ذكروا ما بينهم وبين كنانة، فقالوا: نخشى أن يأتونا من خلفنا. فتبدى لهم إبليس في صورة مالك بن جعشم، وكان من أشراف كنانة، فخرجوا سراعا معهم القيان والدفوف، وكانوا تسعمائة وخمسين مقاتلا، وكانت خيلهم مائة فرس.

وَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم، فاستشار الناس وأخبرهم عن قريش، فقام أبو بكر فقال فأحسن، ثم قام عمر فقال فأحسن، ثم قام المقداد فقال: امض يا رسول الله لما أمرك الله، فنحن معك، والله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ ٥: ٢٤ [٢] ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فو الّذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى «برك الغماد» - يعني مدينة الحبشة- لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم خيرا.

قال ابن إسحاق: ثُمَّ قَالَ/ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أيها الناس، أشيروا علي» وإنما يريد الأنصار، وذلك أنهم قالوا حين بايعوه بالعقبة: إنا برآء من ذمامك حتى تصل إلى دارنا، فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمامنا، نمنعك مما نمنع به نساءنا وأبناءنا.

وكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخوف أن لا تكون الأنصار ترى عليها نصرته إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو، فلما قال ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ سعد بن معاذ: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله. قال: «أجل» قال: فقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك عهودنا على السمع والطاعة، فامض لما أردت، فو الّذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا، إنا لصبر عند الحرب، صدق عند اللقاء، لعل الله أن يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله تعالى.

فَسُرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقول سعد ونشطه ذلك، ثم قال: «سيروا على بركة الله،


[١] في الأصل: من.
[٢] سورة المائدة، آية: ٢٤.

<<  <  ج: ص:  >  >>