للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[الاقتداء بالسلف الصالح في تمام المتابعة]

إن الحل في هذه المحنة الكبيرة والداهية الدهياء هي البحث عن الباب الوحيد الذي من خلاله تنجو وهو مذهب القرن الأول: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي) هذا الجيل الفريد نشر بكل أمانة كل شيء رآه بعينه أو سمعه بأذنه، فإذا قرأت عن الأنبياء من أولي العزم مثل موسى عليه السلام، هل عرفت اسم امرأته؟ وهل عرفت كيف كانت تصلي؟ هل عرفت ماذا كانت تعمل في البيت؟ وكيف كانت تربي الأولاد؟ وعندما تغضب أو ترضى، ماذا تفعل؟ لا نعرف هذه التفاصيل إطلاقاً عن أي نبي من الأنبياء، وإنما نعرف اسمه ودعوته، والرسول عليه الصلاة والسلام هو الوحيد الذي نقل عنه كل شيء، وهذا ببركة أصحابه، وكما قلنا إن التلاميذ رزق للشيوخ، فكذلك الصحابة رزق للنبي، كما قال ابن مسعود: (نظر الله عز وجل في قلوب العالمين فاختار قلب محمد صلى الله عليه وسلم لرسالته، ونظر في قلوب العالمين فاختار قلوب أصحابه له).

فهؤلاء كانوا مثل: (الكاميرات المسجلة) فيخرج من بيته مثلاً وهو يقول: لأرمقن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم اليوم، وهو يصلي معه كل يوم، لكن في هذه المرة خرج ليعرف كيف يصلي! فينظر إلى رجله، وينظر كيف يشير مثلاً أو يحرك إصبعه، وكيف يرفع يديه في تكبيرة الإحرام؛ فينظر إلى الإصبع هل هو بمقابل الأذن وينقل نقلاً دقيقاً، ثم إذا جاء مقتضى لهذا الكلام يصف صلاة النبي صلى الله عليه وسلم كما رأى.

يقول أحد الصحابة وهو جابر بن سمرة: خرجت إلى النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة، وكان البدر مكتملاً، فوالله إن وجه النبي صلى الله عليه وسلم كان في عيني أجمل من البدر.

وقال: في عيني، وهذه طبيعة المحب، يرى من يحب في غاية البهاء والجمال، حتى وإن كان في عين الآخرين ليس كذلك، لكنه هنا ينقل إليك هذا الشعور.

ثم يأتي أناس من جماعة التكفير ويقولون لك: لو كنا في تلك الأيام لكنا مكانهم، فهذه الدعوى رد عليها حذيفة، ورد عليها المقداد بن الأسود، فقد جاء في الأدب المفرد للإمام البخاري في مطلع الكتاب في باب: الولد قرة العين.

أن رجلاً جاء إلى المقداد بن الأسود وقال: طوبى لهاتين العينين اللتين رأتا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فغضب المقداد غضباً شديداً، قال: فتعجبت -لم يقل الرجل شيئاً يغضب عليه المقداد، لم يقل سوى: طوبى لهاتين العينين اللتين رأتا رسول الله صلى الله عليه وسلم- قال: فقلت للمقداد: ما قال الرجل شيئاً يغضبك! فقال: (وما يدريه أنه لو كان لكان كأقوام أدركوه فأكبهم الله على وجوههم في النار)، فهل أنت ضامن إن كنت موجوداً أن تكون أبا لهب أو غيره، فقد رآه رجال بأعينهم وكفروا به، فالذي يقول: لو كنا موجودين لكنا أمثال هؤلاء، هذا بطر وقلة علم وأدب، وهذا هو الذي يفتات على الله عز وجل.

فما أدراك؟ فربما كان هذا المتكلم من أكفر الكافرين؟ فما أدراه أنه لو كان موجوداً لكان من أولياء الله؟!! وحصل هذا مع حذيفة بن اليمان حيث كان جالساً مع بعض التابعين فقال له رجل: والله لو أدركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لحملناه على الرءوس ما تركناه يمشي على الأرض.

فما معنى هذا الكلام؟ يعني: كأن الصحابة فرَّطوا وتركوه يمشي على الأرض، هذا هو مفهوم كلام الرجل، فـ حذيفة رد عليه، لأن هذا غمط للصحابة، فقال له: يا ابن أخي! أكنت تفعل ذلك؟ ثم حكى له حكاية واحدة فقط، قال: لو رأيتنا في يوم الأحزاب وكل رجل منا حفر لنفسه حفرة في الأرض -من البرد- فالصحابة كان عندهم جَلَد.

بينما ذات مرة أحدهم حج يوم حادثة النفق وتلك الزحمة التي حصلت هناك وقتل فيها أناس كثيرون، وكان يومها الحر شديد، فهذا أول ما لقيني قال لي: هل الحج مرة واحدة أم أكثر؟ وكان يكلمني بحماس، فقلت له: مرة واحدة، فقال: أشهدك أن هذه المرة هي الأولى والأخيرة!! فقلت له: لماذا تقطع على نفسك؟ قال: إن دماغي كاد يغلي من الحر! فما رأيك في الصحابة الذين كانوا يعيشون في هذا الجو، وكان عندهم جلد، فلو أرسلت لعنانك التفكير وتخيلت أي ظروف تخطر على بالك، فالصحابة كانوا يعيشون في هذه الظروف أو أشد، ونصروا الله ورسوله في هذه الظروف، فلو حصلت غزوة تبوك فلا أدري ماذا كان سيفعل هذا الرجل؟! سيرجع على عقبه أم لا؛ لأنها كانت في حر شديد وفي مشقة طويلة.

فالصحابة رضوان الله عليهم كان عندهم جلد، فمن شدة البرد وقلة الغطاء يريد الواحد منهم أن يدفئ نفسه فيحفر حفرة ويدفن نفسه بداخلها، ويظهر منه نصفه الذي فوق، وعندما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبعث عيناً على قريش، فقال: (من يأتيني بخبر القوم ويكون معي في الجنة) فهذا حافز يجعل الصحابة يقفزون من الحفر، لأنه يقول: (معي في الجنة)، ولكن لم يقم أحد!! وقد قالها ثلاثاً، وكان حذيفة قد أحس فدخل في الحفرة قليلاً خوفاً من أن يقع عليه الأمر لصعوبته.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم له: (قم يا حذيفة! قال حذيفة: ولم يكن من طاعة الله ورسوله بد) -وهذه القصة موجودة في صحيح مسلم لكن هذه الرواية عند الطبراني وغيره- قال: (فقال يا حذيفة! ائتني بخبر القوم ولا تذعرهم علينا)، يعني: لا تحدث أي بلبلة فيهجمون علينا، قال: ثم دعا لي فمشيت كأنني في حمّام، أي: زال عنه ما كان يجد من البرد، فذهب إليهم ورأى ناراً عظيمة، ورأى رجلاً جالساً، فعلم أنه أبو سفيان وكانت تلك أول مرة يرى فيها أبا سفيان، قال حذيفة: فهممت أن أخرج سهماً وأضعه في القوس وأضربه، ولكني تذكرت وصية النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تذعرهم علينا).

فدخل حذيفة خيمة أبي سفيان وأراد أبو سفيان أن يؤمن نفسه، فقال: أخشى أن يكون بينكم من غيركم فليعرف كل منكم صاحبه، فقال حذيفة للذي بجانبه: من أنت؟ وانظر هنا إلى الذكاء، فلم ينتظر حتى يقول له الذي بجانبه: من أنت؟ ولكن حذيفة بادره ب

السؤال

من أنت؟ فأخبره باسمه والآخر، وتخلص من هذا الموقف، وسجل لنا شيئاً عجيباً جداً، فالله عز وجل أرسل على الأحزاب في هذه الغزوة ريحاً شديدة، قال: فكانت حجارة الجبل يضرب بعضها بعضاً من الريح، قال: والله ما تجاوز الريح معسكرهم، أي: حين خرج من المعسكر كانت الأمور هادئة جداً، والريح داخل المعسكر فقط، فكان حذيفة بن اليمان يحكي هذا الموقف للذي يقول: (لو كنا موجودين لما تركناه يمشي على الأرض)، فهل تستطيع أن تقوم بموقف مثل هذا؟ وهذا موقف من مئات المواقف التي مررنا بها، فأعطاه مثلاً على أنه لا يستطيع.

وكان ابن عمر يقول وثبت هذا عن حذيفة أيضاً: (لمقام أحدهم في الصف أفضل من عمل أحدكم ستين سنة)، فلا بد من تعظيم الصحابة بالنظر في أخلاقهم وسيرهم، وفي العمل الذي نقلوه إلينا، لنصل إلى الباب الوحيد في وسط ثلاث وسبعين باباً، إذ لو زلت قدم أحدنا في غير هذا الباب الوحيد لشقي.

أليس جديراً بنا أن نعطي هذا الباب عناية أكثر، وأن نعطيه أولوية عن رجاله ومذهبه، لأن حياتك في الدار الآخرة كلها موقوفة على أول خطوة تخطوها، فهذه خطوة لها ما بعدها، وكما يقال: رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة، لكن تصحيح الخطوة الأولى أهم من كل الخطوات الأخرى، لأنها تبع لهذه الخطوة.

نسأل الله تبارك وتعالى أن ينفعنا بما علمنا، وأن يعلمنا ما جهلنا، وأن يأخذ بأيدينا ونواصينا إلى الخير، وأن يجعل ما سمعناه وقلناه زاداً إلى حسن المصير إليه، وعتاداً إلى يوم القدوم عليه، إنه بكل جميل كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله وبارك على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.