على أن البغداديين أجازوا إتباع المنصوب بمجرور، قال الفراء في "تفسيره": قوله تعالى: (وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ)[الأنعام: ٩٦] الليل في موضع نصب في المعنى، فرد الشمس والقمر على معناه لما فرق بينهما، بقوله:"سكناً"، فإذا لم يفرق بينهما آثروا الخفض، وقد يجوز أن ينصب وإن لم يحل بينهما بشيء، أنشد بعضهم:
بينا نحن ننظره أتانا ... معلق وفضة وزناد راعي
وتقول:"أنت آخذ حقك وحق غيرك"، فتضيف في الثاني، وقد نونت في الأول، لأن المعنى في قولك:"أنت ضارب زيداً وضارب زيد سواء"، وأحسن ذلك أن تحول بينهما بشيءٍ كما قال امرؤ القيس:
فظل طهاة اللحم من بين منضج ... . . . . . البيت
فنصب الصفيف، وخفض القدير على ما قلت لك. انتهى.
وأبو جعفر النحاس لم يشرط المحرز، فإنه قال في شرح معلقة امرئ القيس: وقد أجاز سيبويه مثله، إنه كان يجوز أن يقال:"من بين منضج صفيف شواء"، فحمل قديراً على صفيف لو كان مخفوضاً، وشرح هذا: أنك إذا عطفت الثاني عليه، جاز لك أن تعربه بإعراب الأول، وجاز لك أن تعربه بما كان يجوز في الأول، فيقال: هذا ضارب زيد وعمرو، وإن شئت قلت: هذا ضارب زيد وعمراً، لأنه قد كان يجوز لك أن تقول: هذا ضارب زيداً وعمراً، وإن شئت قلت: هذا ضارب زيداً وعمرو، لأنه قد كان يجوز لك أن تقول: هذا ضارب زيد وعمرو، فهذا يجيء على مذهب سيبويه. وأنشد:
مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة ... ولا ناعب إلا ببين غرابها
وأبو عثمان المازني، وأبو العباس المبرد، لا يجيزان هذه الرواية، والرواية عندهما:"ولا ناعباً"، لأنه لا يجوز أن يضمر الخافض، لأنه لا يتصرف وهو