للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

إلّا هي. وهكذا المعنى في قول الفرزدق: وأبعد الناس كلّ الناس وأقرب الناس كلّ النّاس، لأنَّ مراده أنه أبعد الناس كلّهم من العار، فلا أحد يشاركه في هذا البعد، وأقرب النّاس كلّهم من الكرم، فلا أحد يشاركه في هذا القرب، فلما كان العموم مرادًا تعين التوكيد؛ ليفيد أنَّ الخصوص غير مراد، وليس النعت بمقصود في هذه الأبيات، إذ لا معنى لقولنا: يا أشبه الناس الكاملين. ثمَّ إنَّ القائلين هذه الأبيات لم يقصدا مدح النّاس فيجعل ما بعد نعتًا، كما قصد المدح في قولنا: أنت الرّجل كلّ الرّجل، لأنَّ الرّجل هو المقصود بالمدح، والنّاس من أشبه الناس وأبعد الناس وأقرب النّاس ليس المقصود بذلك، إنما هو المقصود به أشبه وأبعد وأقرب. إلى هنا كلامه، ومنه أخذ المصنف اعتراضه على أبي حيّان.

والبيت من أبيات أوردها أبو علي القالي في "أماليه" قال: قرأت على أبي عبد الله إبراهيم بن محمّد لعمر ابن أبي ربيعة:

يا ليتني قد أجزت الحبل نحوكم ... حبل المعرَّف أو جاوزت ذا عشر

إن الثَّواء بأرضٍ لا أراك بها ... فاستيقنيه ثواءٌ حق ذي كدر

وما مللت ولكن زاد حبُّكم ... وما ذكرتك إلَّا ظلت كالسَّدر

أذري الدُّموع كذي سقمٍ يخامره ... وما يخامرني سقم سوى الذِّكر

كم قد ذكرتك لو أجزى بذكركم ... يا أشبه النَّاس كلِّ النّاس بالقمر

إني لأجذل أن أمشي مقابله ... حبًّا لرؤية من أشبهت في الصُّور

وكذا رواها صاحب "الأغاني" لابن أبي ربيعة، إلَّا أنه أسقط البيت الأخير، وزاد بيتًا في الأبيات وهو:

ولا جذلت لشيءٍ كان بعدكم ... ولا منحت سواك الحبَّ من بشر

<<  <  ج: ص:  >  >>