للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الخامسة والثمانون: قد يترتَّب على المنع من الصلاة في هذه الأوقات مصلحة أخرى، سوى ما اقتضاه التعليلُ السابقُ في الحديث؛ وهو مصلحة إجمامِ النفس عن كدِّ العبادة في المتعبدين الذين اشتدت رغبتُهم في تكثير النوافل، واقتضته طبائعُهم من المبالغة فيما يعزِمون عليه، وفي ذلك مصلحةُ إجمام النفس لتتلقَّى العبادةَ بعدها على انشراح ونشاط، ودرءُ مفسدةِ تَكْرِيهِ العبادة إلى النفس "اكْلَفُوا من العَمَلِ ما تُطِيقُون" (١). وإن كان ما قيل عن الحولاء بنت تُوَيْتٍ في أنها لا تنام الليل بقوله - عليه السلام - "لا تَنَامُ الليلَ" (٢) على وجه الإنكار: "إِنَّ هذا الدينَ مَتِين، فَأوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ، ولا تُبَغِّضْ إلى نفسك عبادةَ الله؛ فَإِنَّ المُنْبَتَّ لا أَرْضاً قَطَعَ، وَلا ظَهْراً أَبْقَى" (٣)، ولا يعارَض هذا بأن يقال: هذا يشكل بوجهين:

أحدهما: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلَّى حتَّى تورَّمت قدماه (٤)، قال الله تعالى: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا} [المزمل: ٨].

والثاني: أنه لو كان اعتبر ما ذكرتموه، لما اختصَّ ذلك بمنع


(١) رواه البخاري (١٨٦٥)، كتاب: الصوم، باب: التنكيل لمن أكثر الوصال، من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) تقدم تخريجه عند الشيخين في أول هذا الكتاب.

<<  <  ج: ص:  >  >>