للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وأما ما حصل من خوف الأهالي وظنهم السيء فيأبى الله لصاحب الجلالة والمهابة أن يهمل أمر البوادي ويتركهم سدى، بل دخل الإخوان أم القرى حاسرين الرؤوس قد ملؤا الفجاج بالتلبية، ما بين قال لكتاب الله ومصل، وطائف وراكع، وساجد، وجعلوا يصرخون بالأمان وما جرى منهم أذى على أحد، ولو استمرت القيادة يومئذ في الزحف غربا لدخلت جدة بسرية صغيرة دون أن تلقى من الحكومة فيها أو من الأهالي أقل مقاومة ولكنها وقفت في مكة عملا بالأوامر العالية التي كانت مجهولة في جدة.

أما غالب الذين فروا من مكة إلى جدة ومن ضمنهم بعض الجنود فجعلوا ينتظرون الباخرة الأولى للفرار، ولكن الباخرة الأولى وصلت في ١٩ ربيع الأول من العقبة "رضوى" نقل كتيبة من الجنود عددهم ثلثمائة قدموا من شرقي الأردن، ومائة من عرب شمر النازحين إلى الشرق العربي بقيادة أمير اللواء تحسين باشا الفقير؛ قد جندهم الأمير عبد الله بمساعدة بعض الأنصار في فلسطين نجدة للملك علي، فأنعشت هذه النجدة آمال الملك علي فشدت أزر جنوده المنهزمين إلا أنها لم تغير في نفسية المدينة، ولا أضرمت في الأهالي شيئًا من الحماسة، وما كان قولهم إلا أن قالوا الإخوان ظافرون والجنود منهزمون وعلي متأهب للرحيل فما لنا أذن غير التسليم وخير البر عاجله.

ولما رأى القناصل الذين في جدة خطورة الأمر كتبوا إلى قواد الجيش النجدى كتابا معناه انه لا دخل لهم بأحد، ومن واجباتهم احترام أشخاص رعاياهم فإذا وقع عليهم ما يسوؤهم فهي على عاتق جيشكم لأننا على الحياد.

فجاءهم الجواب من قواد الجيش النجدي ما معناه: بإنه وصل إلينا كتابكم ولا يخفاكم أنا معاشر العرب لم نقصد ملككم ولا رعاياكم، بل قصدنا محاربة من حال بيننا وبين البيت الذي جعله الله مثابة للناس وأمنًا، سنبذل في حمايته المال والنفس، وأهل مكة مؤمنون على دمائهم وأموالهم وجدة وأقطارها لا غرض لنا فيها وإن حصل على شيء منها تعدي فعرفونا نمنعه.