للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وافد عاد (١)، فقال: فقلت: أعوذ بالله إلخ وهو مثل


(١) وقصته مسطورة مبسوطة في كتب السير والتفسير، لاسيما في المعالم والخازن وإجمالها: أن عادًا لما فسقوا في الأرض وقهروا أهل بفضل قوتهم التي جعلها الله فيهم، بعث الله عز وجل فيهم هودًا عليه السلام، فأمرهم أن يوحدوا الله عز وجل، وأن يكفوا عن ظلم الناس، ولم يأمرهم بغير ذلك فيما ذكر، فأبوا عليه وكذبوه وقالوا: من أشد منا قوة، وأتبعه منهم ناس يسير يكتمون إيمانهم، فلما عتوا على الله وكذبوا نبيهم أمسك الله عنهم المطر ثلاث سنين، حتى جهدهم ذلك، وكان الناس في ذلك الزمان إذا نزل بهم جهد وبلاء يطلبون الفرج عند بيت الله الحرام، فيجتمع بمكة ناس كثير شتى مختلفة أديانهم، وكلهم معظم لمكة معترف بحرمتها، وكان سكان مكة يومئذ العماليق وسيدهم رجل يقال له معاوية بن بكر، فلما قحطت عاد وقل عنهم المطر قالوا: جهزوا منكم وفدًا إلى مكة ليستسقوا لكم، فإنكم قد هلكتم، فبعثوا قيل بن عنز، ونعيم ابن بزال وعقيل بن صفدين بن عاد الأكبر، ومرئد بن سعد وكان مسلمًا بكتم إيمانه، وجلهمة بن الخيبري، ولقمان بن عاد، فانطلق كل رجل من هؤلاء ومعه جماعة من قومه فبلغ عدد وفد عاد سبعين رجلاً، فلما قدموا مكة نزلوا على معاوية بن بكر وهو بظاهر مكة خارج الحرم، فأنزلهم وأكرمهم وكانوا أخواله وأصهاره، فأقاموا عنده شهرًا يشربون الخمر وتغنيهم الجرادتان وهما قينتان لمعاوية، فلما رأى معاوية طول مقامهم عنده وقد بعثهم قومهم يتغوثون لهم من البلاء الذي أصابهم شق ذلك عليه، وقال: هلك أخوالي وأصهاري وهؤلاء مقيمون عندي وهم ضيفي نازلون على، والله ما أدرى كيف أصنع، فإني أستحبي أن آمرهم بالخروج لما بعثوا إليه فيظنوا أنه ضيق مني بمكانهم عندي، فتغنت الجاريتان تعيرانهم على فعلهم أن نسوا قومهم بأبيات أولها:
ألا يا قيل ويحك قم فهيتم ... لعل الله يسقينًا غمامًا
فلما غنت الجرادتان بذلك قال بعضهم لبعض: يا قوم إنما بعثكم قومكم ليتغوثوا بكم من هذا البلاء الذي نزل بهم وقد أبطأتم عليه، فادخلوا الحرم واستسقوا لقومكم، فقال مرئد بن سعد: إنكم الله لا تسقون بدعائكم ولكن إن أطعتم نبيكم وتبتم إلى ربكم سقيتم، وأظهر إسلامه وأنشد أبياتًا، فأجابه جلهمة بأبيات، ثم قال جلهمة لمعاوية وأبيه بكر: احبسا عنا مرئدًا لا يقدمن معنا مكة، فإنه قد تبع دين هود وترك ديننا، ثم خرجوا إلى مكة يستسقون بها لعاد، فقام قيل بن عنز رأس وفد عاد يدعو، فقال: اللهم أعط قيلاً ما سألك. وقال الوفد معه: واجعل سئولنا معه، وقال قيل حين دعا: يا إلهنا إن كان هودًا صادقًا فاسقنا فأنا قد هلكنا، فأنشأ الله تعالى سحائب ثلاثًا: بيضاء، وحمراء، وسوداء، ثم نادى مناد من السماء: يا قيل اختر لقومك ولنفسك من هذه الثلاثة، فقال قيل: قد اخترت السحابة السوداء فإنها أكثر السحاب ماءًا، فناداه مناد اخترت رمادًا رمددًا لا يبقى من آل عاد أحدًا، وساق الله السحابة السوداء التي اختارها قيل بما فيها من النقمة إلى عاد، حتى خرجت إليهم من واد يقال له المغيث، فلما رأوها استبشروا بها، وقالوا: هذا عارض ممطرنا، يقول الله عز وجل: {بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} وكان أول من أبصر ما فيها وعرف أنها ريح مهلكة امرأة من عاد يقال لها مهدد، فلما عرفت ما فيها من العذاب صاحت ثم صعقت، فلما أن أفاقت قالوا: ماذا رأيت؟ قالت: رأيت فيها كشهب النار أمامها رجال يقودونها، فسخرها الله عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسومًا، إلى أخر ما في المعالم والخازن، وهذا أيضًا ملخص منهما، وعلم من ذلك أن المراد بوافد عاد في الحديث قبل بن عنز رأس وفدهم أعاذنا الله من نقمته.

<<  <  ج: ص:  >  >>