للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[المثال الأول: الرياء]

الرياء في اللغة مشتق من الرؤية، وهي: النظر، يقال: راءيته، مراءاة، ورياء، إذا أريته على خلاف ما أنا عليه.

وفي الاصطلاح: أن يظهر الإنسان العمل الصالح للآخرين أو يحسنه عندهم، أو يظهر عندهم بمظهر مندوب إليه ليمدحوه ويعظم في أنفسهم (١).

فمن أراد وجه الله والرياء معاً فقد أشرك مع الله غيره في هذه العبادة، أما لو عمل العبادة وليس له مقصد في فعلها أصلاً سوى مدح الناس فهذا صاحبه على خطر عظيم، وقد قال بعض أهل العلم: إنه قد وقع في النفاق والشرك المخرج من الملة.

والرياء له صور عديدة، منها:

١ - الرياء بالعمل، كمراءاة المصلي بطول الركوع والسجود.

٢ - المراءاة بالقول، كسرد الأدلة إظهاراً لغزارة العلم، ليقال: عالم.

٣ - المراءاة بالهيئة والزيِّ، كإبقاء أثر السجود على الجبهة رياء.

وقد وردت أدلة كثيرة تدل على تحريم الرياء وعظم عقوبة فاعله، وأنه يبطل العمل الذي يصاحبه، منها حديث محمود بن لبيد رضي الله عنه مرفوعاً: ((إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر) قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: ((الرياء، يقول الله – عز وجل – لهم يوم القيامة إذا جزي الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، هل تجدون عندهم جزاء؟)) (٢)

وحديث محمود بن لبيد رضي الله عنه الآخر، قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((أيها الناس! إياكم وشرك السرائر)) قالوا: يا رسول الله، وما شرك السرائر؟. قال: ((يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته جاهداً لما يرى من نظر الناس إليه، فذلك شرك السرائر)) (٣). وحديث أبي هريرة في خبر الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار يوم القيامة، وهم رجل قاتل في الجهاد حتى قتل، ليقال: جريء، ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن ليقال: عالم وقارئ، ورجل تصدق ليقال: جواد (٤). رواه مسلم.

ولهذا ينبغي للمسلم البعد عن الرياء والحذر من الوقوع فيه، وهناك أمور تعين على البعد عنه، أهمها:

١ - تقوية الإيمان في القلب، ليعظم رجاء العبد لربه، ويعرض عمن سواه، ولأن قوة الإيمان في القلب من أعظم الأسباب التي يعصم الله بها العبد من وساوس الشيطان، ومن الانقياد لشهوات النفس.

٢ - التزود من العلم الشرعي، وبالأخص علم العقيدة الإسلامية، ليكون ذلك حرزاً له بإذن الله من فتن الشبهات، وليعرف عظمة ربه جل وعلا، وضعف المخلوقين وفقرهم، فيحمله ذلك كله على مقت الرياء واحتقاره والبعد عنه، وليعرف أيضاً مداخل الشيطان ووساوسه، فيحذرها.


(١) وينظر: ((الرعاية)) (ص: ٢٠٩)، ((قواعد الأحكام)) للعز بن عبد السلام (ص: ١٦٠)، ((الإحياء)) (٣/ ٣١٤)، ((تفسير القرطبي)) للآية ٣٦ من سورة النساء (٥/ ١٨١)، وتفسيره للآية ١٤٢ من سورة النساء (٥/ ٤٢٢)، وتفسيره للآية الأخيرة من سورة الكهف (١١/ ٧١)، ((منهاج القاصدين)) (ص: ٢٧٥)، ((الفروق)) (الفرق ١٢٢)، ((فتح الباري)) الرقاق، باب الرياء (١١/ ٣٣٦)، ((الزواجر)) (الكبيرة الثانية ١/ ٤٣)، ((الموافقات)) (٢/ ٢١٧ - ٢٢١، ٢٢٢)، ((سبل السلام)) (٤/ ٣٥٦).
(٢) رواه أحمد (٥/ ٤٢٨) (٢٣٦٨٠)، والطبراني (٤/ ٢٥٣). من حديث محمود بن لبيد رضي الله عنه. قال المنذري في ((الترغيب والترهيب)) (١/ ٥٢): إسناده جيد. وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (١/ ١٠٧): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. وقال ابن حجر في ((بلوغ المرام)) (ص٤٤٠): إسناده حسن. وقال الألباني في ((السلسلة الصحيحة)) (٩٥١): إسناده جيد.
(٣) رواه ابن خزيمة في ((صحيحه)) (٢/ ٦٧). والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (٢/ ٢٩١) وابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٢/ ٢٢٧) والحديث حسنه الألباني في ((صحيح الترغيب)).
(٤) رواه مسلم (١٩٠٥).

<<  <  ج: ص:  >  >>