للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[المطلب الأول: حكم الإيمان بالقضاء والقدر]

الإيمان بالقدر من أصول الإيمان التي لا يتم إيمان العبد إلا بها، ففي (صحيح مسلم) من حديث عمر بن الخطاب في سؤال جبريل عليه السلام الرسول صلى الله عليه وسلم عن الإيمان قال: ((أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال (أي جبريل عليه السلام): صدقت)) (١). والنصوص المخبرة عن قدرة الله أو الآمرة بالإيمان بالقدر كثيرة، فمن ذلك قوله تعالى: إِنا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر:٤٩]. وقوله: وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا [الأحزاب: ٣٨]، وقوله: وَلَكِن لِّيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً [الأنفال:٤٢]. وقال: الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا [الفرقان:٢]. وقال: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى [الأعلى: ١ - ٣]. وروى مسلم في (صحيحه) عن طاووس قال: ((أدركت ناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: كل شيء بقدر حتى العجزُ والكَيْس، أو الكَيْس والعَجْز)) (٢). وروى مسلم أيضاً عن أبي هريرة قال: ((جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله صلى الله عليه وسلم في القدر، فنزلت: يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر: ٤٨: ٤٩])) (٣). والنصوص في ذلك كثيرة جداً فإن النصوص الدالة على علم الله وقدرته ومشيئته وخلقه تدل على قدره تبارك وتعالى، فالقدر يتضمن الإيمان بعلم الله ومشيئته وخلقه، ... وذكر النصوص الواردة في ذلك. والقدر يدل بوضعه – كما يقول الراغب الأصفهاني فيما نقله عنه ابن حجر العسقلاني – على القدرة وعلى المقدور الكائن بالعلم.

فلله تعالى القدرة المطلقة، وقدرته لا يعجزها شيء، ومن أسمائه – تبارك وتعالى – القادر والقدير والمقتدر، والقدرة صفة من صفاته. فالقادر اسم فاعل من قدر يقدر. والقدير فعيل منه، وهو للمبالغة، ومعنى (القدير) الفاعل لما يشاء، على قدر ما تقتضيه الحكمة لا زائداً عليه، ولا ناقصاً عنه، ولذلك لا يصح أن يوصف به إلا الله عز وجل. قال تعالى: إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الأحقاف:٣٣]. و (المقتدر) مفتعل من اقتدر، وهو أبلغ من (قدير) ومنه قوله: فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ [القمر: ٥٥]. وقد سئل الإمام أحمد – رحمة الله تعالى – عن القدر: فقال: (القدر قدرة الله). قال ابن القيم: (وقال الإمام أحمد: القدرُ قدرة الله. واستحسن ابن عقيل هذا الكلام جداً، وقال: هذا يدل على دقة أحمد وتبحره في معرفة أصول الدين، وهو كما قال أبو الوفاء، فإن إنكاره إنكار لقدرة الرب على خلق أفعال العباد وكتابتها وتقديرها) وقد صاغ ابن القيم لهذا المعنى شعراً فقال:

واستحسن ابن عقيل ذا من أحمد ... لما حكاه عن الرضا الربان

فحقيقة القدر الذي حار الورى ... في شأنه هو قدرة الرحمن


(١) رواه مسلم (٨).
(٢) رواه مسلم (٢٦٥٥).
(٣) رواه مسلم (٢٦٥٦).

<<  <  ج: ص:  >  >>