للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[المبحث الرابع: صفة حشر الخلق وأنهم على صور شتى]

حينما يقوم الناس من قبورهم لرب العالمين يساقون إلى المحشر (١) لفصل القضاء، ولتجزى كل نفس بما تسعى؛ فيجزى كل عامل ما يستحق من الجزاء، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.

ولكن كيف يكون مجيئهم للحشر؟

والجواب:

قد بينت السنة النبوية الهيئات التي يأتي بها الخلائق، وهي هيئات وحالات مختلفة؛ إما حسنة، وإما قبيحة، بحسب ما قدموا من خير، وشر، وإيمان، وكفر، وطاعة, ومعصية، فتزود لها بالعمل الصالح.

ومن تلك الهيئات الأمثلة الآتية:

١ - ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم عن حالة الناس عند حشرهم لفصل القضاء – مؤمنهم وكافرهم – من أنهم يكونون في هيئة واحدة، لا عهد لهم بها في الدنيا، ولا يتصورون حدوثها، ولهذا فقد كثر التساؤل والاستغراب لتلك الحالة حينما أخبر بها الرسول صلى الله عليه وسلم.

كما في الحديث الذي ترويه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تحشرون حفاة عراة غرلاً)) (٢).

ومعنى حفاة: أي تمشون على أرجلكم دون نعل أو خف.

والعاري: هو من لا ثوب له على جسده، والأغرل: هو الذي لم يختتن، أي إن البشر يرجعون كهيئتهم يوم ولدوا، حتى إن الغرلة ترجع وإن كان قد اختتن صاحبها في الدنيا؛ تحقيقاً لقوله تعالى: كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ [الأنبياء: ١٠٤].

وقد ورد هذا المعنى في حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قام فينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال: ((إنكم محشورون حفاة عراة)) كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ [الأنبياء: ١٠٤] (٣).

٢ - يحشر بعض الناس (وهم الكافرون) وهم يسحبون في المحشر على وجوههم، وكم يستغرب كثير من الناس هذه الحال؛ لأنهم في الدنيا لم يعرفوا تلك الحال، ولم يتصوروا وقوعها، ومع أنها حالة غريبة لكنها غير منفية لا عقلا ولا نقلا.

فأما العقل فإنه لا ينفي وقوعها، وذلك إذا علمنا أن قدرة الله على كل شيء أمر هين، فإن الذي أمشى هؤلاء على الرجلين له القدرة على أن يمشيهم على وجوههم، بل لو أراد الله ذلك لحصل في الدنيا فضلا عن الآخرة.

ومصداق ما قدمنا ما جاء عن أنس بن مالك رضي الله عنه كما في الصحيحين – ((أن رجلا قال: يا نبي الله، كيف يحشر الكافر على وجهه؟ قال أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادرا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة)) قال قتادة: بلى وعزة ربنا (٤).

(قال ابن حجر في بيان معنى المشي المذكور في الحديث قوله: ((أليس الذي أمشاه ... )) ظاهر في أن المراد بالمشي حقيقته؛ فلذلك استغربوا حتى سألوا عن كيفيته) (٥)

ثم رد على الذين يزعمون أن هذا هو مثل ضربه النبي صلى الله عليه وسلم بأن (الجواب الصادر عن النبي صلى الله عليه وسلم ظاهر في تقرير المشي على حقيقته) أي فلا حاجة إلى صرف الكلام عن ظاهره.

ومعلوم أن أمر الآخرة وأحوالها غير أمر الدنيا وأحوالها، فكل شيء في الآخرة جديد ولا عهد للناس به، فهي حياة أخرى لها مميزات وكيفيات لا توجد في الدنيا، وليس على الله بعزيز في أن يمشي الكافر على وجهه، إذ لو أراد الله ذلك في الدنيا لكان حاصلا فيها، ولكان أمرا مألوفا كما هو الحال في المشي على الرجلين.


(١) ((تكملة شرح الصدور)) (ص: ١٦).
(٢) رواه البخاري (٦٥٢٧)، ومسلم (٢٨٥٩).
(٣) رواه البخاري (٣٣٤٩)، ومسلم (٢٨٦٠).
(٤) رواه البخاري (٦١٥٨)، ومسلم (٧٢٦٥).
(٥) ((فتح الباري)) (١١/ ٣٨٢).

<<  <  ج: ص:  >  >>