للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[- السخرية بالكافرين]

من الصفات الفعليَّة الخبريَّة الثابتة لله عَزَّ وجَلَّ بالكتاب والسنة.

الدليل من الكتاب:

قوله تعالى: فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [التوبة: ٧٩]

الدليل من السنة:

حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في آخر أهل النار خروجاً منها وآخر أهل الجنة دخولاً فيها، وفيه أنه قال يخاطب الله عَزَّ وجَلَّ: ((أتسخر بي؟ أو تضحك بي وأنت الملك)) (١).

قال الأزهري: يُقال: سَخِرَ منه وبه: إذا تَهَزَّأ به (٢).

قال قَوَّام السنة: وتولى الذب عنهم (يعني: المؤمنين) حين قالوا: إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ، فقال: اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [البقرة:١٤ - ١٥]، وقال: فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ، وأجاب عنهم، فقال: أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ [البقرة:١٣]، فأجل أقدارهم أن يوصفوا بصفة عيب، وتولى المجازاة لهم، فقال: اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ، وقال: سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ؛ لأن هاتين الصفتين إذا كانت من الله؛ لم تكن سفهاً، لأن الله حكيم، والحكيم لا يفعل السفه، بل ما يكون منه يكون صواباً وحكمة (٣).

وقال شيخ الإسلام في (مجموع الفتاوى) عند الرد على من زعم أنَّ هناك مجازاً في القرآن: وكذلك ما ادعوا أنه مجاز في القرآن؛ كلفظ (المكر) و (الاستهزاء) و (السخرية) المضاف إلى الله، وزعموا أنه مسمى باسم ما يقابله على طريق المجاز، وليس كذلك، بل مسميات هذه الأسماء إذا فعلت بمن لا يستحق العقوبة؛ كانت ظلماً له، وأما إذا فعلت بمن فعلها بالمجني عليه عقوبة له بمثل فعله؛ كانت عدلاً؛ كما قال تعالى: كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ [يوسف:٧٦]، فكاد له كما كادت إخوته لما قاله له أبوه: لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا [يوسف:٥]، وقال تعالى: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا [الطارق:١٥]، وقال تعالى: وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ [النمل:٥١]، وقال تعالى: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ [التوبة:٧٩] اهـ (٤).

فأهل السنة والجماعة يثبتون صفة السخرية لله عَزَّ وجَلَّ كما أثبتها لنفسه، كما يثبتون صفة الكيد والمكر، ولا يخوضون في كيفيتها، ولا يشبهونها بسخرية المخلوق؛ فالله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:١١].

وانظر كلام ابن جرير الطبري في صفة (الاستهزاء)، فإنه مهم صفات الله عز وجل الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٦٨


(١) رواه البخاري (٦٥٧١)، ومسلم (١٨٦).
(٢) ((تهذيب اللغة)) (٧/ ١٦٧).
(٣) ((الحجة)) (١/ ١٦٨).
(٤) (٧/ ١١١).

<<  <  ج: ص:  >  >>